سر صعب من أسرار الحضور المبهر

Am25

كنت أسمع عن شخص أنه قوي الحجة، ساطع البرهان، يعجز عنه الخصم، ويقرّ له المجادل، وشهر ذلك بين من حوله؛ فكنت أود لو ألقاه فأعرف كيف يهزم خصمه، ويبني حجته، لعلّي أقتبس منه طريقته، وأقتدي بأسلوبه. ثم لقيته في موقف يقتضي النقاش وتداول الآراء واتخاذ القرارات؛ فلم أر طائلا، ولم أر فرقا كبيرا بينه وبين من في مستواه في الأسلوب والاحتجاج، إلا أني رأيته لا يسابق أحدا إلى الكلام، ولا يقاطع متحدثا. يخوض الناس في الكلام وهو ساكت، ويرتفع اللغط وهو ساكن، حتى يستخرج كلٌ ما في جعبته، ويستنفذ كلٌ ما في وسعه، فيلتفتون إليه كأنهم قد جاعوا إلى كلامه، واحتاجوا إلى رأيه، فيتكلم بكلام يشبه كلامهم وربما أقل من كلام بعضهم، فيتحدث بهدوء وسكينة، كأنّ كل ذلك الجدل لم يستفزه ولم يرفع ضغطه

وإن قاطعه أحد سكت، ولم يتولّ تسكيته، حتى يكون الناس يسكتونه له، فعرفت أن هذا هو السرّ، وأن هذا الذي لا يقدر عليه كلّ أحد.


التعليق السابق

صحيح هو قد نال الصيت وإن كان متوسط الغنى.

ولا شك أن الناس حكمت عليه بهذا الحكم لتميزه عنهم، وما كان التميز في الكلام نفسه بقدر ما كان في الطريقة.

أما الصمت فهو أصلا غير حريص على الكلام بقدر حرص الآخرين على سماعه، وهو واثق من نفسه لدرجة أنه لا يبالي بتفسير الآخرين.