بمجرد ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، ساد القلق من فكرة استبدال البشر بالآلة، لكن الحقيقة أكثر رعباً؛ وهي أن الآلة لا تستبدل المبدعين، بل تكشف فقط أن أغلب الوظائف المكتبية هي في الحقيقة مهام روتينية لا تتطلب أي ذكاء بشري حقيقي. لا نتحدث هنا عن استبدال المبرمج أو الكاتب، بل عن كشف الموظفين الذين يقضون ثماني ساعات يومياً في نقل بيانات من ملف إلى آخر، أو صياغة رسائل بريد إلكتروني مكررة، أو إعداد تقارير دورية لا يقرأها أحد.

​مررتُ بتجربة مع أحد الزملاء كان يفتخر دائماً بمدى انشغاله وإرهاقه في إعداد جداول البيانات وتحليلها يدوياً، وهي مهمة كانت تستغرق منه أسبوعاً كاملاً من العمل الشاق. وحين استخدمنا أداة بسيطة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، أنجزت المهمة نفسها بدقة أعلى في أقل من دقيقة. هنا لم تكن المشكلة في خسارة الوظيفة، بل في تلك اللحظة القاسية من المواجهة؛ حين أدرك الزميل أن مجهوده البشري لسنوات لم يكن يتطلب ذكاءً فعلياً، بل مجرد صبر على التكرار.

التكنولوجيا طبعا تهدد الوظائف، لكن ما يحدث يكشف حقيقة مختلفة قليلًا. ان كثير من الأعمال اصبحت مجرد مهام روتينية يمكن إنجازها بسهولة. ومع قدرة الأدوات الحديثة على إنهائها في وقت قصير، بدأ يتراجع الإحساس بقيمة هذا النوع من العمل. اي ان الخطر ليس في اختفاء الوظائف بقدر ما يظهر في انكشاف طبيعة ما كنا نعتبره عملًا مهمًا، ما يضع معنى الدور البشري نفسه محل إعادة تقييم.