امتلأت الاعلانات بالترويج لفكرة الانتقال إلى المدن الجديدة تحت شعار البحث عن الهدوء والخصوصية والهروب من زحام وتلوث المدن القديمة، لكن وراء هذه الأسباب المعلنة رغبة خفية ومقلقة في الانعزال الطبقي. نحن لا نهرب من ضجيج السيارات فحسب، بل نهرب من الناس الذين لا يشبهوننا في مستواهم المادي أو الاجتماعي.
وكأننا نبني أسواراً نفسية ومادية لنحمي أنفسنا من الاختلاط بمن نراهم أقل منا. هذا التوجه نحو "الكمبوند" والمجتمعات المغلقة حوّل السكن من حق إنساني ومكان للعيش المشترك إلى فلتر اجتماعي يفرز البشر بناءً على قدراتهم الشرائية، مما خلق فجوة عميقة جدا.
الخطورة انها تجعل الأجيال الجديدة تنمو في بيئة معزولة تماماً عن واقع بلدهم الحقيقي، حيث يرى الطفل جيرانه فقط من نفس طبقته، ولا يحتك بغيرهم إلا كعاملين أو خدم. هذا الانفصال يولد شعوراً بالتعالي من جهة، والحقد الطبقي من جهة أخرى، ويحول المدينة من مكان للتفاعل والتعاون إلى جزر منعزلة يخشى سكانها الخروج منها. إننا في الحقيقة نشتري الأمان الوهمي عبر العزلة، متناسين أن قوة أي مجتمع تكمن في تنوعه وقدرة أفراده على التعايش مع بعضهم البعض باختلاف مستوياتهم، وليس في الهروب خلف بوابات تخضع للحراسة.
التعليقات