ذهبت إلى معرض الكتاب في إحدى الأيام، كنت موقنًا أني سأشتري عددًا كبيرًا من الكتب ذلك اليوم، لكن ولصدمتي أني عدت بكتاب واحد فقط، ولم يكن أفضل ما أردت، فلِمَ حصل ذلك؟

المشكلة التي تعرضت لها تسمى "مفارقة الخيارات".

في إحدى الأسواق، وضعوا طاولتان، الأولى بها 6 أنواع من الكعك، والثانية بها 24 نوعًا، ولاحظوا أن الناس انجذبت للطاولة التي بها 24 نوعًا، لكنهم اشتروا أكثر من الطاولة التي بها 6 أنواع، لكن لماذا؟

في طاولة ال24 كعكة، ستضطر إلى المقارنة بين الكثير من الخيارات، إضافة إلى أنك ستخاف من أنك تختار الخيار الخاطئ فتندم لأنك لم تختر الخيار الآخر، فتقول ماذا لو اخترت كذا أو ماذا لو اخترت كذا، وعندما تختار نوعًا معينًا فستشعر وكأنك خسرت بقية الأنواع، كل هذه العوامل تجعل تحديد القرار صعبًا، عكس الطاولة التي بها 6 أنواع فقط، الأمر بسيط، ولا تحتاج إلى تلك المقارنة الكبيرة، ولن تشعر أنك خسرت الكثير لأنها مجرد 6 أنواع.

عندما سمعت بهذه المفارقة لأول مرة، حاولت أن أبحث في حياتي عن أمثلة لهذه المفارقة ولم أجد، لكني اليوم، لاحظت شيئًا غريبًا وأنا أتصفح اليوتيوب.

خوارزميات اليوتيوب في الأيام الأخيرة لم تعد تعرف ما أريد، بالتالي لم يكن تصفحي يشبع رغباتي، لكني وفجأة بالأمس غرقت في نوع معين من الفيديوهات، ولأني شاهدت الكثير من هذا النوع، اعتقدت خوارزميات اليوتيوب أنه أعجبني، لذا في اليوم التالي عندما فتحت اليوتيوب، وجدت الكثير من الفيديوهات التي أثارت اهتمامي، وأصحبت أضيع الكثير من الفيديوهات في قائمة المشاهدة لاحقًا، وكلما كنت أنزل أسفل قليلًا، أرى المزيد من الفيديوهات، مما ولّد مشكلتان:

الأولى والتي تخص موضوعنا، وهي أنني فوجئت أن كثرة المقاطع التي تثير اهتمامي ليس أمرًا جيدًا، لأن عقلي أصبح منهكًا من محاولة المقارنة بينها ومعرفة من أضع في قائمة المشاهدة لاحقًا ومن أتركه، مما جعلني أهرب من المقاطع كلها وأغلق اليوتيوب.

والثانية تخص موضوعًا آخر، وهو أشبه بالقمار، فكلما كنت أنزل قليلًا في الصفحة الرئيسية، كنت أرى المزيد من المقاطع، وكان عقلي كل مرة يضطر إلى تحديد إحدى خيارين:

الأول أن أتوقف عن التصفح وأكتفي بالمقاطع التي عندي.

والثاني أن أتصفح المزيد فربما أجد ما يستهويني أكثر.

ولهذا أقول لكم الأمر أشبه بالقمار، ونفس هذا المبدأ تستخدمه أغلب مواقع التواصل الاجتماعي في مقاطعها القصيرة كال"تيكتوك"، ففي كل مرة عقلك يتخذ قرارًا، هل أتوقف هنا وأكتفي بما شاهدت، أم أنني إذا مررت إصبعي سأجد مقطعًا جيدًا، ولأننا لا نريد أن نندم إذا خرجنا، فإننا نكمل التصفح دونما نهاية، محاولين الحصول على ذلك المقطع الذي يرفع الدوبامين، وهنا أحب أن أقدم لكم مفارقة "التكلفة الغارقة".

والمفارقة هذه هي أنك تكمل في مشروع فاشل لمجرد أنك وضعت جهدًا أو وقتًا أو مالًا فيه، وبالمثال يتضح المقال، لنقل أنك اشتريت كتابًا ب60 ريالًا، وقرأت منه 100 صفحة ولم يعجبك، أغلبنا سيجبر نفسه ويقول "لقد قرأت بالفعل 100 صفحة ودفعت فيه 60 ريالًا، لا يمكنني أن أتركه"، وتكمل الكتاب وهي لا تحبه، والأمر لا يقف عند الكتب وحسب، بل حتى الذي يقبل بوظيفة لا يريدها لمجرد أنه لا يريد أن تذهب سنين الدراسة هباءً منثورا، لكنه بذلك يدمر سنين حياته القادمة من أجل سنين فائتة لا يمكن أن تعود.

وصدق أو لا تصدق، هذا المبدأ يستخدم في القمار أيضًا، عندما تخسر عدة مرات، عقلك يخبرك أنك يجب أن تجرب مرة أخرى من أجل أن تعوض ما فاتك، رغم أنك قد تخسر المرة القادمة أيضًا.

لذا فالسبب الذي جعلني أشتري كتابًا واحدًا فقط، هو أن عقلي لم يعد يستطيع المقارنة بين الخيارات، فاختار ما رآه أمامه - نعم اخترت كتابًا لا أعلم ليومك هذا لم اخترته -.

كل الحالات التي ذكرناها سابقًا، الخيارات كلها متاحة لك ومرئية أمامك وتستطيع المقارنة بينها جميعًا في آن واحد، لكن ماذا لو قلنا أنك في كل مرة يعرض عليك خيار، إن اخترته فلن تستطيع اختيار غيره، وإن لم تختره فلن تستطيع اختياره مرة أخرى.

مثلًا، لنقل أنك سيعرض عليك 10 صناديق واحدًا تلو الآخر، في كل صندوق مبلغ من المال، إن اخترت الصندوق فستذهب به، لكن إن لم تختره فسيحرق الصندوق ولن تستطيع اختياره مرة أخرى، كيف ستختار؟

قد تعتقد أن الأمر بسيط، لكن الأمر أيضًا هو قمار، حيث أنك تريد أن تختار الصندوق الذي به أكبر مبلغ من المال، لكنك في كل صندوق تسأل نفسك "هل هذا الصندوق به أكبر مبلغ من المال؟ أم يجب علي أن أرى الصناديق الأخرى؟"

قد ترى بالصندوق الأول 100 ريال، لكنك ترفضها بحثًا عن أفضل، فترى في الصندوق 200 ريال، فتتردد، هل آخذها أم أن أنتظر طمعًا في مبلغ أكبر، خيار أخذها ليس هينًا، حيث أنك إذا أخذتها وظهر أن في الصندوق العاشر ألف ريال مثلًا، سيحترق قلبك ندمًا لأنك اخترت الصندوق الثاني، وإن لم تخترها وأكملت ال10 صناديق ولم تجد أكثر من ال200 ريال، فسيحترق قلبك ندمًا لأنك لم تأخذ ال200 ريال، الأمر صعب أليس كذلك؟

في الحقيقة أن الرياضيات استطاعت أن تحل هذه المشكلة، فبعلم الإحصاء - ولن أدخل في تفاصيل المعادلات لأنها معقدة -، وجدوا أن أفضل استراتيجية تتبعها هي أنك تتجاهل أول 37% من الخيارات، لتكون كمرجع لك، ثم تختار أول خيار يكون أفضل من أفضل الخيارات التي رأيتها في ال37% الأولى.

ففي مثال ال10 صناديق، ولنجعلها 100 ليكون الأمر أسهلًا، ستقوم بتجاهل أول 37 صندوق، وتحفظ أعلى قيمة رأيتها فيه ولتكن 500، عندها ستتجاهل كل الصناديق التي تكون أقل من 500 وتختار أول صندوق يأتيك أعلى من ال500.

لكن حتى بهذه الطريقة، فاحتمالية نجاح هذه الخطة وأن تختار أفضل صندوق هي أيضًا 37%.

وهذا لو كنت تعلم عدد الصناديق، لكن الواقع في الغالب لا يعطيك عدد الفرص التي ستمر عليك في حياتك، فلن تعلم أبدًا متى ستكون قد مررت 37% من فرصك.

إذا كثرت الخيارات، فاستبعد الأسوأ منها حتى تقلل عدد الخيارات التي يجب أن تفاضل بينها، وعندما تتخذ قرارًا، اترك الماضي واتخذه بناء على نتائجه في المستقبل، حتى وإن كان هذا القرار سيضحي بالكثير من ماضيك.

الخلاصة:

اتخاذ القرار أمر أصعب مما تتوقع حتى وإن وجدت الكثير من المعلومات، لذا في الغالب الأفضل دائمًا أن تتخذ القرار الأقل مخاطرة.

ففي المرات القادمة حينما تمر بعدد من الخيارات، أن أفضل استراتيجية هي أن تتخلص من الأسوأ حتى يتسنى لك المقارنة بين عدد أقل من الخيارات، وأن قرارك يجب ألّا يتأثر بالماضي، وأن يكون معتمدًا فقط على النتائج المستقبلية، فحتى إن دفعت 60 ريالًا وأضعت وقتًا وجهدًا في قراءة 100 صفحة، هذا لا يعني أنك يجب أن تضيع جهدًا ووقتًا أكثر مما قد ضاع سلفًا لمجرد أنك لا تريد أن تشعر أن ذلك قد ذهب هباء منثورا.

وتذكر دائمًا، أن أمر المؤمن كله خير، موفقون🙂