بقلم:حمزة عبدالمغني

وانت تسير في شارع مزدحم أو تجلس في مقهى هادئ، هل شعرت يوماً ان هناك كاميرا تلاحقك

لا أعني "بالمعنى السينمائي" أقصد "بالمعنى النفسي" إحساس دائم بأنك مُراقَب، وأن كل حركة أو كلمة أو فعل أو عمل أو حتى طبق الطعام الذي أمامك يجب أن يصبح مادة للعرض على المحكمة الرقمية الكبرى: منصات التواصل الاجتماعي.

هذا الشعور ليس خيالاً محضاً. في علم النفس يُعرف بمصطلح “الجمهور الوهمي” (Imaginary Audience). وهو حالة ذهنية يعتقد فيها الفرد أن الآخرين يراقبونه باستمرار ويهتمون بتفاصيل حياته الصغيرة.

تقليديًا، ارتبط هذا المفهوم بمرحلة المراهقة؛ حيث يشعر المراهق أن أنظار العالم كلها موجهة إليه.

لكن ما حدث في العصر الرقمي اليوم هو أن الخوارزميات نجحت في حبسنا داخل هذه المراهقة الأبدية، وتحولت إلى نمط حياة جماعي.

حيث نقيس أنفسنا باستمرار بعيون الآخرين، أو بما نظن أنه عيون الآخرين.

فخ التقدير بالأرقام

أحد أكثر التحولات خطورة في زمن السوشيال ميديا هو إعادة تعريف التقدير الذاتي. إذ بات الشعور بالرضا نابعًا من قابليتها للنشر، وليس من التجربة نفسها.

نأكل لنصوّر.

نسافر لننشر.

نقرأ لنقتبس.

تحولت لحظات الحياة إلى محتوى. وتحول الإنسان تدريجيًا من كائن يعيش التجربة إلى كائن يوثقها ويعرضها.

تظهر دراسات عديدة في علم النفس الرقمي أن ربط القيمة الذاتية بالتفاعل الرقمي يمكن أن يزيد من القلق والتوتر. ففي بحث نُشر في Journal of Social and Clinical Psychology وُجد أن الاستخدام المكثف لمنصات التواصل، خصوصًا عندما يرتبط بالمقارنة الاجتماعية، يزيد من مستويات الشعور بعدم الرضا عن الذات.

حين يصبح عدد “الإعجابات” و "التصفيق" معيارًا خفيًا لقيمتنا، فإننا نضع مفاتيح سعادتنا في أيدي جمهور قد لا يعرفنا أصلاً.

جمهور يمر على حياتنا بإصبع يمرّر الشاشة بسرعة،

يتوقف لثوانٍ، ثم يرحل إلى قصة أخرى.

وهم الحضور الدائم

يعتقد الإنسان بطبيعته أنه محور الاهتمام.

عالم النفس ديفيد إلكايند، الذي صاغ مفهوم “الجمهور الوهمي”، أشار إلى أن هذه الحالة تنبع من صعوبة إدراك أن الآخرين منشغلون بأنفسهم بالقدر نفسه.

بعبارة أبسط:

نحن نظن أن الجميع يراقبنا، بينما الحقيقة أن الجميع مشغول بمراقبة نفسه.

ومع ذلك، تصمم منصات التواصل بطريقة تجعل هذا الوهم أكثر إقناعًا. الإشعارات، التعليقات، أرقام المشاهدات؛ كلها إشارات صغيرة تخبرك : “ أمضٍ على هذا النحو ”، لتجعل لحياتك قيمة وإعجاب.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل من الواجب أن تظل حياتك كلها تحت رعب المشاركة والنشر؟

ضريبة الأصالة

أين يختبئ الإنسان الحقيقي والطبيعي والعادي خلف الملف الشخصي؟

حين نختار بعناية ما يراه الآخرون، فإننا بالضرورة نخفي الكثير، نخفي التعب، نخفي الحيرة،نخفي الفشل، نخفي المحاولات والمعانات، نعرض لحظات النجاح والبهجة، ونقصي اللحظات الرمادية التي تشكّل الجزء الأكبر من الحياة.

مع الوقت، يحدث أمر أخطر:

نبدأ نحن أنفسنا بتصديق الصورة التي صنعناها.

الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد كتب مرة:

"أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يضيع ذاته دون أن ينتبه."

وفي عالم يعتمد على العرض المستمر للذات، يصبح هذا الضياع أكثر سهولة.

خسارة متعة الخصوصية

قبل زمن الشاشات، كانت هناك لحظات تُعاش دون أن يفكر أحد في توثيقها. لحظات صغيرة وعادية: حديث طويل مع صديق، سهرة عائلية على السطح رفقة القمر والنجوم، طريق هادئ بعد المطر، أو فنجان قهوة في صباح عادي.

كانت هذه اللحظات أكبر قيمة وأجل معنى لأنها أكثر صدقاً وليس لأنها منشورة.

اليوم، فقدنا شيئًا من متعة الخصوصية.

إذ لم يعد الغرض أو الهدف: هل استمتعت باللحظة؟

بل أصبح: كم التقطت لها صوراً وكم لاقت إعجاباً وتصفيقاً؟

وهنا تكمن المفارقة:

كلما حاولنا توثيق الحياة أكثر، قلّ حضورنا الحقيقي داخلها.

الخوارزميات وصناعة الهوية

الخوارزميات لا تكتفي بعرض حياتنا للآخرين؛ إنها تشارك في تشكيلها وحتى في تحديد مسارها. فهي تكافئ نوعًا معينًا من المحتوى، وتدفع المستخدمين دون وعي إلى تكرار ما يجلب التفاعل.

بمرور الوقت، يتحول السلوك الإنساني إلى استجابة غير مباشرة لهذه المكافآت الرقمية.فالغالبية لا ينشر ما يريده فقط أو مايتبناه ويؤمن به، بل ما يُحتمل أن يُعجب الآخرين ويلفت الإنتباه والتصفيق.

هكذا تتشكل هوية رقمية قد تكون بعيدة تدريجيًا عن الإنسان الحقيقي.

استعادة الذات

التكنلوجيا ليست المشكلة التكنولوجيا أداة،نافذة مهمة للتعلم والتواصل والإبداع .

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى مرآة نبحث فيها عن قيمتنا وعن معنى لحياتنا.

ربما يكون الحل بسيطًا في ظاهره، لكنه صعب في التطبيق:

أن نعيد لأنفسنا بعض المساحات التي لا تراها الشاشات.

أن لا نبحث عن تقديرنا وقيمتنا في عيون الآخرين،

أن نعيش لحظات لا تُنشر.

أن نقرأ كتابًا دون اقتباس.

أن نسافر دون إعلان.

أن نضحك دون كاميرا، أن ننجح لأنفسنا، بحيث يكون رضى نجاحنا رضىً داخلياً وليس خارجي. 

أن نتذكر أن الحياة ليست عرضًا مستمرًا، ولا مونولوج واحد يجب اتباعه والسير عليه.

سؤال أخير

تخيّل للحظة أنك استيقظت غدًا، واختفت جميع منصات التواصل من العالم.

لا حسابات، لا متابعون،

لا إعجابات،

فمن ستكون؟

وماذا سيبقى من قيمتك وشعورك تجاه نفسك وحياتك، إذا لم تكن مرئياً على الشاشات وتحت تسليط الضوء والنشر والمشاركات؟