يظن المرء أحياناً أن المسافات قادرة على غسل الخطايا وأن تذكرة سفر لمدينة بعيدة أو الانتقال لبيت جديد كفيلٌ بأن يضع حداً لماضٍ يطارده نهرب من وجوهٍ خذلناها ومن ديونٍ أثقلت كواهلنا ومن وعودٍ قطعناها في لحظة صدق ثم نكثنا بها في لحظة ضعف.

​لكن الحقيقة القاسية التي نكتشفها متأخرين هي أن الهروب من المسؤولية ليس مخرج طوارئ بل هو زنزانة دائرية نركض فيها لنعود دائماً إلى نقطة الصفر لقد جربتُ مرارة هذا الهروب حين تترك خلفك إنساناً كان يرى فيك أمانه أو حين تُغلق هاتفك في وجه مطالبٍ بحقه تظن أنك نجوت بينما أنت في الحقيقة تغرق في وحل الخجل من نفسك.

​إن أصعب أنواع السجون ليست تلك التي يحيطها السجان بالقضبان بل هي تلك التي نبنيها بداخلنا حين نتجاوز حدودنا مع الخالق ومع العباد في عتمة الليل لا يهم كم ابتعدت بجسدك فصوت الضمير يظل يهمس بذات الكلمات التي حاولت نسيانها، محولاً رحلة الاستجمام المفترضة إلى رحلة من الجلد الذاتي.

هذا هو أطول ما كتبت

​اليوم لا أكتب لأبرر بل أكتب لأواجه أكتب لأفرغ هذه المشاعر في ورقٍ لعله يكون شاهداً على رغبتي الصادقة في التغيير. فالإنسان لا يبدأ بالشفاء إلا حين يتوقف عن الهرب ويقرر أن يلتفت للخلف، لا ليعود بل ليصلح ما انكسر ويقول نعم أخطأتُ والآن سأبني نفسي من جديد