الإنسان ليس قالبًا واحدًا ثابتًا، بل كيان متعدد الطبقات، يتحرك بين شخصيات مختلفة دون أن يتخلى عن جوهره الحقيقي. نحن نظن أننا نعرف أنفسنا أو نعرف الآخرين من خلال صورة واحدة، لكن الحقيقة أن كل إنسان يحمل داخله ثلاث شخصيات على الأقل: شخصية يظهر بها أمام الناس، وشخصية يعيش بها في مساحته الخاصة، وشخصية عميقة لا يراها إلا في لحظات الصدق مع نفسه.
الهوية الجوهرية ثابتة في قيمها ومبادئها، لكنها ليست مسؤولة عن كل سلوك. السلوك يتغير حسب المكان، والدور، ومستوى الأمان النفسي. هذا ليس نفاقًا ولا ازدواجية، بل قدرة بشرية على التكيّف. الشخص الهادئ قد يكون ثائرًا في كتابته، والعميق قد يبدو بسيطًا في الواقع، والمرح قد يخفي داخله صمتًا طويلًا. كل ذلك طبيعي.
الشخصية الداخلية أو الافتراضية ليست دائمًا انحرافًا عن الواقع، بل قد تكون مساحة آمنة يفرغ فيها الإنسان ضغطه، أو يختبر أفكاره، أو يعيد ترتيب مشاعره. المشكلة لا تبدأ إلا عندما يخرج هذا العالم الداخلي ليؤذي الواقع، أو يعطل المسؤوليات، أو يكسر القيم.
نحن نصدم حين نكتشف جانبًا غير متوقع في شخص ما، ليس لأنه خدعنا، بل لأننا أحببنا التبسيط. أردنا أن نراه نسخة واحدة سهلة الفهم، بينما الإنسان أعقد من ذلك بكثير. الصدمة غالبًا لا تعني خيانة، بل تعني أننا رأينا جزءًا فحسب، ثم ظنناه الكل.
الذكاء النفسي أن تدرك أن الإنسان يُقاس بأفعاله الواقعية المتكررة، لا بانفعالاته العابرة ولا بمساحاته الخاصة. وأن تفهم أن تعدد الشخصيات ليس ضعفًا، بل مرونة… وأن المرونة هي ما يجعل الإنسان قادرًا على النجاة في عالم معقد.
التعليقات