منذ صغرنا ونحن نُلقن أن الاحترام يفتح الأبواب المغلقة، لكن الواقع اليوم يخبرنا أن الاحترام قد يُغلق في وجهك باب حقك، ويجعلك تبدو في نظر الكثيرين 'صيداً سهلاً' أو شخصاً يفتقر للجرأة. هل لاحظتم أن الشخص الفج، العالي الصوت، الذي يتجاوز الحدود، هو من يُحسب له ألف حساب، بينما يُترك الشخص المهذب في آخر الطابور؟
المشكلة ليست في الاحترام كقيمة، بل في سيكولوجية الاستحقاق لدى الطرف الآخر. في بيئات العمل، في الشارع، وحتى في العلاقات الشخصية، أصبح الأدب يُفسر على أنه ضعف إمكانات أو خوف من المواجهة. وكأننا نعيش في حقبة فرض السطوة، حيث يتم تقييم الإنسان بناءً على قدرته على إزعاج الآخرين، لا على رقيه في التعامل معهم.
ذات مرة، في أحد الاجتماعات المهنية المهمة، كان هناك شخص يقاطع الجميع بصوتٍ عالٍ، يلقي بكلمات حادة، ويفرض رأيه بأسلوب يخلو من أي لياقة. في المقابل، كنتُ ألتزم بالهدوء، أنتظر دوري في الحديث، وأخاطب الحضور بـ يا فندم و لو سمحتم.
بعد الاجتماع، اقترب مني أحد الزملاء (الذي أثق برأيه) وقال لي جملة صادمة لم أنسها: أدبك الزائد جعلهم يشعرون أنك موافقة على كل ما قيل، أو أنك لا تملك حجة قوية لترد بها. في هذه الغرفة، احترامك للآخرين كان يبدو كأنه اعتذار عن وجودك
في تلك اللحظة، شعرت بمرارة شديدة. هل فعلاً تحول أرقى ما أملك إلى نقطة ضعف؟ هل يجب عليّ أن أستعير قناع الفجاجة لكي يُسمع صوتي؟
هذا الموقف جعلني أتساءل: لماذا يضطر الإنسان السويّ للاختيار بين أن يكون محترماً ومهمشاً" أو فظاً ومسموعاً ؟
التعليقات