لا يولد الاستبداد من فراغ، ولا يقوم على قوة الحاكم وحده، بل على قابلية نفسية واجتماعية لدى الجماهير لقبول القهر، والتعايش مع الذل، وتبرير الفقر والفساد. ومن ألمانيا النازية، إلى الاتحاد السوفييتي، إلى تجارب العالم العربي، يثبت التاريخ أن الطغاة لا يصنعون أنفسهم فقط، بل تُصنع لهم بيئة حاضنة من الخوف، والوهم، والتعوّد.
السؤال الذي يشغل علماء الاجتماع وخبراء السياسة ليس: كيف يحكم الديكتاتور؟
بل: لماذا تطيعه الجماهير؟ ولماذا تصمت طويلًا؟
ألمانيا النازية: حين تُستبدل الحرية بالكرامة الموهومة
عاشت ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى حالة انهيار نفسي جماعي: هزيمة، فقر، تضخم، وشعور عميق بالإذلال. في هذه اللحظة، لم تكن الجماهير تطالب بالديمقراطية، بل بـاستعادة المعنى والكرامة.
هتلر لم يخترع الاستبداد، لكنه أتقن مخاطبة الخوف والغضب، وقدم سردية بسيطة: نحن ضحايا، والعدو واضح، والخلاص يحتاج قائدًا قويًا. وهكذا، قبلت الجماهير التخلي عن الحريات مقابل وعد بالنهضة.
من منظور علم النفس الاجتماعي، لم يكن الخضوع هنا جهلًا، بل اختيارًا تحت الضغط: استبداد منظم أفضل من فوضى مذلة. ومع الزمن، تحوّل القمع إلى واجب وطني، والسكوت إلى فضيلة.
الاتحاد السوفييتي: الخوف المؤسسي وصناعة الإنسان المطيع
في التجربة السوفييتية، لم يُبنَ الاستبداد على الكاريزما فقط، بل على الخوف المنهجي. الاعتقال كان احتمالًا يوميًا، والوشاية سلوكًا وقائيًا، والصمت وسيلة بقاء.
يصف علماء الاجتماع هذه الحالة بـالطاعة الوقائية: الناس لا يلتزمون لأنهم مقتنعون، بل لأن أي انحراف عن الخط العام قد يكون قاتلًا. ومع الوقت، لا يعود القمع مفروضًا من الخارج، بل مزروعًا في الداخل.
الأخطر أن الخطاب الأيديولوجي حوّل المعاناة إلى شرف، والفقر إلى تضحية تاريخية، والطاعة إلى وعي ثوري. هنا يصل الخضوع إلى ذروته: حين يصبح الألم جزءًا من الهوية.
العالم العربي: الاستبداد بوصفه واقعًا لا يُناقش
في كثير من الدول العربية، ترسّخ الاستبداد عبر عقود طويلة، لا فقط بالقمع، بل عبر التطبيع مع الذل. الحاكم تحوّل إلى رمز للدولة، والاستقرار قُدِّم كبديل عن الحرية، والخوف من الفوضى استُخدم كسلاح نفسي فعال.
مع الزمن، لم يعد الفساد صادمًا، ولا الفقر مدعاة للغضب، بل حقائق يومية. انكفأ الأفراد على ذواتهم، وانهارت الثقة الجماعية، وتحول المجتمع إلى أفراد منفصلين، كلٌّ يبحث عن نجاته الخاصة.
وهنا، وفقًا لإريك فروم، يظهر الهروب من الحرية: حين يصبح الاستبداد أقل كلفة نفسية من احتمال التغيير.
الربيع العربي: لحظة كسر الخوف.. وحدود الثورة النفسية
شكّلت ثورات الربيع العربي لحظة استثنائية في التاريخ السياسي للمنطقة، لأنها لم تكن فقط ثورات على أنظمة الحكم، بل تمردًا نفسيًا على الخوف. لأول مرة منذ عقود، كسرت الجماهير حاجز الصمت، وواجهت السلطة بلا وسطاء، واستعادت صوتها في الشارع.
لكن من منظور علم الاجتماع السياسي، كشفت هذه الثورات أيضًا عن حدود الثورة غير المكتملة نفسيًا. فإسقاط الخوف لا يعني بالضرورة تفكيك البنية العميقة للطاعة. كثير من المجتمعات ثارت على الحاكم، لكنها لم تتحرر بالكامل من ثقافة الاستبداد، ولا من الحاجة إلى “القائد المنقذ”.
ومع تعقّد المشهد، وعودة الفوضى أو العنف أو الانقسام، لجأت قطاعات واسعة من الجماهير مجددًا إلى طلب “الاستقرار”، حتى لو كان ثمنه إعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة. وهكذا، عاد الخضوع، لا لأنه مفروض بالقوة فقط، بل لأنه بدا للبعض أقل كلفة من المجهول.
القاسم المشترك: الخوف، العادة، والوهم
تُظهر هذه التجارب، رغم اختلاف سياقاتها، نمطًا واحدًا متكررًا:
الديكتاتور لا يحكم بالسلاح وحده، بل بـإدارة الخوف، وتكريس العادة، وصناعة الوهم.
الخوف يمنع الفعل،
العادة تقتل الغضب،
والوهم يمنح معنى للمعاناة.
وعندما تتجذر هذه العناصر، تتحول الجماهير من ضحية إلى شريك صامت في استمرار الاستبداد.
الخلاصة
لا تسقط الأمم حين يظهر الطغاة، بل حين تفقد قدرتها على رفض الطغيان نفسيًا. فإسقاط الحاكم لا يكفي إن لم يُكسر منطق الطاعة، ولم تُفكك ثقافة الخوف، ولم يُستبدل الوهم بوعي نقدي.
ومن يفهم سيكولوجيا الجماهير، يفهم كيف تُبنى السلطة وكيف تُحافَظ. ومن لا يواجه خوفه، سيجد دائمًا من يحكمه. والتحرر الحقيقي لا يبدأ في الشارع فقط، بل في العقل. فبدون ثورة نفسية عميقة، يسقط طاغية… ليُعاد إنتاج طاغية آخر.
التعليقات