يميل الإنسان، بفطرته الإدراكية، إلى تضخيم المخاطر قبل وقوعها. فالخوف لا يتجه نحو الحدث نفسه بقدر ما يتجه نحو صورته المتخيلة، وعند مواجهة موقف غامض أو احتمال غير مؤكد تستنفر النفس أدواتها الدفاعية وتشرع في بناء سيناريوهات تتجاوز ما يسمح به الواقع، هذه السيناريوهات تتغذى على التجارب السابقة والتحذيرات الاجتماعية والقصص المتداولة والقلق الجمعي، حتى يتحول الاحتمال إلى ظن متخم بأعلى درجات التوقع السلبي.لكن المفارقة تتجلى عندما يدخل الإنسان فعلياً في الحدث الذي كان يخشاه؛ فغالباً ما يكتشف أن قدرته على الاحتمال أعظم مما قدّر، وأن المواجهة العملية تكشف عن طاقات لم تُستثمر وعن مرونة نفسية لا تظهر إلا تحت الضغط. وهنا يتضح الفرق بين الخوف من الألم والألم نفسه: فالأول يبدو غير محتمل، بينما الثاني عند وقوعه يمكن استيعابه والتعامل معه.

فإذا كان الخوف يحدث في الذهن قبل أن يحدث في الواقع، فمن المسؤول عن تضخيمه ،طبيعتنا؟ أم تجاربنا؟ أم الثقافة التي نعيش داخلها؟