حين يستقيم المعنى بالفعل

تعلمت مع الأيام أن الكلمة التي لا تتجسد فعلا مجرد صدى عابر

وأن المال إن لم يخرج من قبضة الحرص فقد روحه قبل أن يفقده صاحبه

وأن الصداقة امتحان طويل لا ينجح فيه إلا من جعل الوفاء عادة لا موقفا

وأن الصدقة ليست فيما تعطيه اليد بل فيما تنويه الروح قبل العطاء

وأن الحياة مهما اتسعت طرقها تضيق إن غابت عنها الصحة والأمن

لهذا صرت أزن الأشياء بميزان مختلف

أبحث عن الفعل قبل القول

وعن الجود قبل التملك

وعن الصدق قبل القرب

وعن النية قبل المظهر

وعن الطمأنينة قبل الطموح

فما قيمة نجاح ينهك الجسد

وما معنى الغنى إن جاوره الخوف

وما جدوى الكلام إن لم يترك أثرا في الواقع

سؤالي

هل نملك الشجاعة لنعيش بهذه الموازين أم نكتفي بالإعجاب بها من بعيد؟


التعليق السابق

هذه الموازين يا أخي جورج ليست اختراعا أخلاقيا طارئا، بل هي أقرب ما تكون إلى الذاكرة الأولى للإنسان، تلك التي يعرف بها الأشياء قبل أن يتعلم تبريرها.

الفطرة لا تخطئ الاتجاه، لكنها قد تبهت تحت ضغط التجربة والمصلحة والعجلة، فنحسب الابتعاد عنها واقعية، وهو في الحقيقة إرهاق داخلي.

الاختيار في القرب والصداقة ليس إقصاء للآخرين، بل حفظ للذات.

فالإنسان لا يخاصم من يفتقد الصفات الحسنة، لكنه لا يمنحه مفاتيح المسافة القريبة.

هناك فرق بين المعاملة التي يفرضها الذوق العام، وبين القرب الذي يحتاج إلى صفاء وأمان.

والعودة إلى الفطرة لا تعني الانسحاب من العالم، بل تعني أن نعيد ترتيب دوائرنا.

أن نكون لطفاء مع الجميع، وصادقين مع أنفسنا، وحذرين فيما نمنح من قرب.

وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الاتزان الذي لا يراه كثيرون، لكنه يحفظ القلب من التشظي.