ماخلف الستار من طرق التكسب والاهداف

هدف الإنسان منذ القِدم هو الحصول على السكينة وراحة البال، وقد استطاع الناس قديمًا أن يتكاملوا في حياتهم، فيفيد بعضهم بعضًا دون أن تتحول العلاقات إلى صراع مصالح.

لكن مفهوم السعادة في الكسب تعرّض للتحريف، فأصبح في ظاهره وباطنه كسبًا على حساب الآخر، وجمعًا للأموال لإشباع الرغبات والملذّات، ثم غُلِّف هذا كله اليوم باسم التخصص.

تحوّل التخصص إلى معيار للتفاضل بين الناس، وسُجنت العاطفة باسم العقل، وأخذت الأعمال طابع التمييز والتفريق، حتى بين الأخ وأخيه. وأصبحت الدراسة ونيل الرتب والشهادات تُعامل كقيمة الذهب والألماس، ومن لا يمتلكها يُنظر إليه وكأنه بلا قيمة، أو كأنه دُفن قبل أن يموت.

وهنا يُطرح السؤال:

هل هذا التمييز مطلوب؟ وهل له نفع حقيقي؟

والجواب: بالتأكيد لا.

مهما بلغت قيمة تلك الأوراق والأرقام المكتوبة بين السطور، فهي ليست سوى جزء من عقل الإنسان، بينما بقية قدراته وطاقاته لا تُحصى. صحيح أن التفكير مهم، لكن الإدراك والوعي بالحال أهم من التفكير نفسه.

فالأجيال التي سبقتنا، هل كانت أحلامها مبنية على أرقام وشهادات؟

لقد عرفوا التفكير الصحيح دون الحاجة إلى هذه المسميات، واستطاعوا الحد من الشر، وبناء القوانين، ووضع الدساتير، وممارسة التجارة، وكتابة المؤلفات، كل ذلك قبل ظهور الشهادات الملونة والمصطلحات الحديثة.

ليست هذه المعايير ضرورة تُفرض علينا، بل هي وسيلة من وسائل التكسب، لكن كثيرين لم يستطيعوا رؤية ما خلف الستار من طرق التكسب والأهداف.

ويرجع ذلك إلى تضخيم المصغّر، أي تضخيم شيء أكبر مما هو عليه، بتأثير المجتمع وضغطه، مع الغفلة عن بقية مجالات الكسب.

وسرعان ما يتأثر الإنسان بما هو رائج، فالعادة وليدة التعود، حتى شُبّهت هذه الشهادات بمستلزمات الحياة، وكأن الإنسان سيموت بدونها، وهذا اعتقاد في غير محلّه.

فقد عاش الأوّلون، وعملوا، ونجحوا دون الحاجة إليها.

وإن قيل إن هذا هو التطور، فالرد واضح:

التطور طبع من طبائع الأشياء، لكنه لا يُلغي الحياة، بل قد يسهلها أحيانًا ويعقّدها أحيانًا أخرى. فليس كل تطور تقدمًا، كما أن نمو الإنسان من شاب إلى شيخ تطور، لكنه لا يعني زيادة في الفهم أو القدرة.


بالعكس تماما، هذه الشهادات تعبر عن مدى التحصيل العلمى لدى الفرد في المجال الذي تخصص فيه، والاجيال السابقة وان لم يكن فيها هذه الشهادات لكنها ايضا كانت فيها اساليب التعليم وتبادل المعرفه مختلفه عن الاساليب الحاليه، بل لم ينشئ هذه الاساليب الحالية الى عمالقه العلوم منذ عصور ودهور، فالاندلس مثلا كان فيها مدرسه موسى بن ميمون! بل تستطيع ان تسميها جامعة وكانوا يدرسون فيها الهندسة والطب والفلسفة والرياضيات، بل وقبل الاندلس ايضا جميع علماء العرب المعتد بهم لم يصلوا لعلمهم سوى بتعلم لغات اخرى ودراسه ما انتهى اليه علم الامم الاخرى، العلم يستحيل تحصيله بالاعتماد على التجربة الذاتيه فحسب، وان كنت تستطيع ان تتحصل على اي باب من العلم وحدك دون الدراسه الاكاديمية فهذا سيتطلب منك مجهودات مضاعفه في دراسه الكتب ومحاولة استخراج معانيها، اما الدراسه الاكاديمية فتختصر لك ذلك وتعطيك الادوات والمنطلقات التي تسير فيها حتى تصل

أتفهم طرحك وأقدّر ما أشرتَ إليه من أهمية التعليم المنهجي ودوره في اختصار الطريق وتوفير الأدوات العلمية، ولا أختلف معك في أن العلم لا يُكتسب بالاعتماد على التجربة الذاتية وحدها، وأن المؤسسات التعليمية عبر التاريخ — كما في الأندلس وغيرها — كانت ركيزة أساسية في تطور المعارف.

غير أن مقصدي في المقال لم يكن نفي قيمة العلم ولا التقليل من شأن الدراسة الأكاديمية، بل نقد تحويل الشهادة من وسيلة إلى غاية، ومن أداة لتنظيم المعرفة إلى معيار وحيد لقيمة الإنسان أو أهليته.

فالإشكال لا يكمن في وجود التعليم الأكاديمي، بل في تضخيمه اجتماعيًا إلى حدّ يُقصي مسارات أخرى للتعلم والكسب، ويجعل غياب الشهادة مرادفًا للفشل أو انعدام القيمة، وهو ما حاولت الإشارة إليه في سياق نقدي اجتماعي لا علمي.