أذى غير واضح - مثال أمريكي أنموذجًا-

قرأت مؤخرًا مقالًا قانونيًا فلسفيًّا وإنسانيًّا بالأكثر عن نوع لا يذكر من الأذى،. وفكرت كيف ممكن أن يكون موجودًا في أي مجتمع متنوع.

عادةً قانونيًا على اختلاف القوانين والتشريعات

 نفكر في الأذى كشيء واضح: أذى جسدي مقصود أو بسبب الإهمال، وما قد يترتب من أذى نفسي يمكن محاسبة مسببه.

 لكن هناك شيء آخر، خفي، لا يذكر كثيرًا حتى يكاد لا يذكر بالمرة.

تخيّل امرأة سوداء تذهب للطبيب الأبيض وتشكو من ألم شديد،

 تقول إنها لا تستطيع التحمل، لكن يتجاهلها الطبيب ويأخذ حالات أخرى ويستمر بتأجيلها

 مع أنه عالج الكثيرين قبلها، لم يستمع لها بسبب تحيّزه وتأخر عنها. 

 النتيجة: مضاعفات، شلل، اكتئاب ومشاكل نفسية أخرى تصيب المريضة.

هذا الأذى الجسدي والنفسي معروف، القانون يعترف به، يمكن تعويضه والمحاسبة عنه، لكن هناك شيء آخر خفي ولن يذكر: الأذى الإبستيمي( المعرفي) .

يعني في هذا السياق أن تقول شيئًا حقيقيًا عن نفسك، عن ألمك وتجربتك، ولا يُصدّقك أحد، أن يُنظر إليك ليس كشخص يعرف ويشعر، بل كشيء يمكن تجاهله. 

.

كما تقول ميرندا فريكر: إذا حُرمت من مشاركة معرفتك، حُرمت من إنسانيتك وكرامتك.

طبعا هذا المثال يبدو ممكنًا في السياق الأميركي مثلًا وهو ما جسّده المقال بالفعل ويبدو مستحيلًا طبعًا في أغلب مجتمعاتنا، ولكنه بالصورة الأعم يمثّل التحيّز السلبي ضد الهوية يعني أن المستمع يحمل نزعة ازدراء أو عنصرية أو تمييزًا ضد جانب من هوية المتكلم — صفات دائمة ترافقه في حياته، مثل العِرق أو الجنس أو الإعاقة أو اللهجة أو الأصل أو غيرها من السمات الاجتماعية.

وحين يُعامل الإنسان على هذا الأساس، لا يُنظر إليه كفرد عاقل مستقل، بل كـ"تمثيل" لجماعته، أو كشيء يمكن تجاهله. 

كان المقال يطالب بصراحة أن يوجد تعويض عن هذا النوع من الاذى وأن لا يتم تجاهله، لأنه واقعي وموجود ويستحق المواكبة حيث يذكر ببساطة ووضوح:

أن أعظم أوجه الظلم في النظام القانوني الأميركي أنه يسمح بتعويض المريضة عن أذاها المالي والجسدي والعاطفي، لكنه لا يسمح بتعويضها عن أذاها المعرفي.

رغم أن معظم الأضرار الأخرى نشأت من هذا الضرر الأصلي. 

حين حاولت أن تُعبّر عن معرفتها — عن ألمها — تم تجاهلها. تخيّل مدى إحباطها وخوفها وهي تتوسّل لساعات، دون أن يُصدّقها الطبيب أو يعاملها كإنسانة تستحق الرعاية أو المصداقية. وربما بدأت تشكّ بنفسها. 

.

وقِس هذا وأسقطه على ما تشاء من المجتمعات المتنوعة ستجد الأذى ذاته موجودًا في صور مختلفة وعلى أوجه متعددة.


التعليق السابق

لكن اسمحي لي أختلف قليلًا معكِ ليس لأن ما قلتِه غير صحيح، بل لأنه ناقص زاوية أساسية تمامًا. المشكلة ليست فقط في تحيّز الطبيب ضد النساء، بل في نظامٍ كاملٍ لا يعترف بالإنسان كمصدر معرفة عن نفسه. في مجتمعاتنا، الطبيب لا يسمع، بل يشخّص. يتعامل مع الجسد كآلة، لا ككائن يشعر ويتكلم. ولهذا فالأذى الإبستيمي عندنا لا يصيب النساء فقط، بل يصيب كل من لا يملك سلطة أو صوتًا . المرأة، الفقير، المريض النفسي، الطالب، وحتى الرجل الذي يعاني بصمت.

هناك دراسة من Harvard Medical School عام 2022 تؤكد أن أغلب الأخطاء الطبية في العالم ليست بسبب نقص الخبرة، بل بسبب غياب التواصل الفعّال بين الطبيب والمريض.

أي أن الضرر يبدأ لحظة إسكات صوت المريض، لا لحظة تدهور صحته. إذن القضية أعمق من تمييز ضد النساء ، إنها أزمة ثقافة معرفية كاملة. نحن مجتمع يُربّى على أن الخبير يعرف أكثر ، فالأب يعرف أكثر من ابنه، والمعلم من الطالب، والطبيب من المريض. وهكذا يُسلب الإنسان أبسط حق له أن يُصدَّق حين يتكلم عن نفسه. لذلك، قبل أن نطالب بتعويض عن الأذى الإبستيمي، علينا أولًا أن نسأل هل نحن أصلًا نسمح لأنفسنا أن نعرف، أم أننا سلّمنا عقولنا للسلطة بكل أشكالها؟

أتفق معك في ذلك، لكن بالفعل مما أرى وأسمع هناك تمييز أكثر بكثير ضد المرأة على الأقل في مجتمعنا والسبب بسيط لأن المجتمع يهاب الرجال عامةً، فقد يخاف الطبيب أن يتطاول بالقول أو الفعل على رجل لأن الرجل قد يرد عليه رد الفعل أضعافًا مضاعفة، بعكس الكثير من النساء اللاتي تكتفين بالصمت وعدم فعل شيء خاصةً في وقت حرج كالولادة، كما أن بعض الأطباء يتعاملون بطريقة مهينة أكثر مع النساء من الطبقات الأقل تعليمًا واجتماعيًا لأنهم يعلمون أنهن لا يعلمن شيئًا في الغالب عن حقوقهن ولن يصدر منهم رد فعل مؤذي يذكر.