نبتعد… لا لأننا نكره، بل لأننا نريد أن نحفظ ما تبقّى فينا من نقاء.
ليس كل ابتعاد خيانة، ولا كل انسحاب غدر.
أحيانًا يكون الابتعاد مثل رحيل الغيم ليصفو الجو، أو مثل انسحاب البحر ليترك للرمل فرصة أن يتنفس.
نبتعد لأن قلوبنا أنهكتها الضوضاء، فنلجأ إلى العزلة كما يلجأ الطائر إلى عشه بعد رحلة طويلة.
ونبتعد أحيانًا لأننا أكثرنا الحضور حتى بهتَ بريقنا، كما يبهت العطر حين يُسكب بإفراط.
قد يغلق الإنسان قلبه ويسكت مشاعره لا لأنه قاسٍ، بل لأنه تعب من أن يكون الوحيد الذي يشعر، والوحيد الذي يفهم،والوحيد الذي يقدم يعطي ولم يقابل بمثل ما أعطى فيقرر أن يبتعد… ثم يُقال عنه قاسٍ مغرور؟!
الابتعاد ليس دائمًا خذلانًا، بل قد يكون أشبه بـ التقاط الأنفاس بعد طول اختناق، أو عودة هادئة إلى الذات بعد أن أرهقها الاستنزاف في عيون الآخرين.
نبتعد لأننا نريد أن نحفظ ما تبقّى من صفائنا، ولأننا ندرك أن الإفراط في الوجود يُفقد معناه، وأن العزلة في لحظات كثيرة أكثر صدقًا من كل الضجيج.
لكن… لماذا يُساء فهمنا دائمًا؟
لماذا حين نحاول حماية قلوبنا من انكسار جديد، يُقال إننا متكبرون؟
ولماذا تُترجم عزة النفس إلى غرور، والكبرياء إلى تعالٍ، بينما هي في جوهرها درعٌ أخير نُحاول أن نصون به ما تبقّى منّا؟
برأيكم، لماذا ندان حين نختار أن نحمي أنفسنا؟!
ولماذا لا يفهمون أن الابتعاد أحيانًا نجاة للبعض وليس تكبراً كما يظنون؟
التعليقات