في مجتمعات تزداد فيها التنازلات عن القيم يومًا بعد يوم يصبح الجحيم مشهدًا مألوفًا لا لأننا لا نعرف الصواب بل لأننا فقدنا الجرأة على الدفاع عنه "طبيب في مستشفى حكومي رفض إجراء عملية لمريض يحتاج لتدخل عاجل لأنه لا يملك مبلغًا بسيطًا فخرج المريض يحتضر على باب المستشفى ومات بعد دقائق لم يهتم أحد لم يُحاسب الطبيب ولم يسأل أحد عن الفقير وواصل الكل يومه كأن شيئًا لم يكن" "وفي مشهد آخر أب ينهال على ابنته الصغيرة ضربًا مبرحًا في الشارع تصرخ وتبكي وتستغيث والمارة يرمقونها بنظرات سريعة ثم يشيحون بوجوههم لا أحد تدخل لا أحد أوقفه تركوها تنهار أمام أعينهم وكأنها لا تعنيهم" "وعلى رصيف آخر فتاة تتعرض لتحرش واضح في الشارع والمارة ينظرون ثم يمضون وكأنها هي المذنبة لا الضحية لم يقترب أحد ليدافع عنها فقط اكتفوا بالمشاهدة وبعضهم سجل الموقف فيديو على الهاتف وابتسم كأن ما حدث مشهد كوميدي لا مأساة إنسانية" الجحيم هنا ليس نارًا فحسب هو غياب الضمير هو صمت الشرفاء هو تطبيع القبح وتمجيد الخطأ وحين نعتاد كل ذلك نطمئن فعلًا لأن الجحيم يتسع للجميع فهل أصبحنا نعيش في عالم بلا قيم أم أننا فقط فقدنا الشجاعة لنتمسك بها؟
لماذا نصمت أمام الظلم وانعدام الرحمة؟
بالضبط المشكلة اليوم ليست فقط في السكوت عن المنكر لكن الأسوأ أننا أحيانًا نبرره أو نتعامل معه كأنه أمر طبيعي وكأن ضمائرنا أصبحت لا تتأثر بما يحدث حولنا من ظلم أو قسوة تفاوت الشجاعة بين الناس شيء طبيعي وكل شخص له طاقته لكن كما قلت الرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا أكثر من خيار وكل شخص يختار حسب قدرته حتى أضعف الإيمان له قيمة ولو بالقلب لكن المؤلم فعلًا هو أن بعض الناس لم تعد تنكر حتى بالقلب بل ربما تتعاطف مع الخطأ أو تصفق له أحيانًا البعض يقول هذه ليست مشكلتي أو لا أستطيع أن أفعل شيئًا لكن هذا التفكير يخلق بيئة يتعود فيها الناس على الظلم ويصبح شيئًا عاديًا لا يزعج أحدًا جملتك الأخيرة مهمة جدًا إن لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل لأن التصفيق للخطأ نوع من المشاركة فيه حتى لو لم نقصد ذلك المطلوب منّا على الأقل أن نحافظ على وضوح موقفنا الداخلي ولا نبرر ما نعلم أنه خطأ
تماما ...ما قلته وصف دقيق لمايجري على أرض الواقع ...
السواد الأعظم من البشر استهانوا في أمر الدفاع عن الحق
فطبقت عليهم المقولة سكت أهل الحق عن الباطل فظن أهل الباطل أنهم على حق ...
في احدى المرات واثناء انتهائي من الدوام وانا ضمن مؤسسة العمل التي اعمل فيها كنت على وشك الخروج شاهدت صبيّين اثنين يافعين يتشاجران بالسباب والضرب وكان واحد منهما اقوى من الاخر وتحكم منه لدرجة أنه اسال دمه من شدة الضربات التي وجهها اليه فهرعت إليهما لانقذ الولد الضعيف من بين يديه وكان حولهما جمهور كبير من الصبيان يلتفون وهم يتفرجون فقط وبلا حراك لابل قد كان البعض منهم يبتسم بتهكم وسخرية الأمر الذي أذهلني حقا ...هل ماتت الضمائر ؟ ولم تعد القلوب تشعر ؟
ما فعلته في هذا الموقف يستحق كل الاحترام لأنّ التدخل لحماية شخص أضعف لم يعد أمرًا شائعًا كما كان وللأسف كثير من الناس أصبحوا يكتفون بالمشاهدة أو التصوير أو حتى التهكم وكأن الألم لم يعد يحرك فينا شيئًا وهذا ما يدعو فعلًا للقلق لأن غياب رد الفعل لا يعني الحياد بل هو مشاركة غير مباشرة في الخطأ المواقف مثل هذه لا تمرّ دون أثر لأنها تكشف صورة المجتمع في لحظة اختبار وكل تصرف مثل ما قمت به يصنع فرقًا ويزرع أملًا ويذكّر الناس بأن الضمير لا يزال موجودًا وأنه ليس من الضروري أن نكون كثيرين حتى نُحدث فرقًا فمجرد وقفة واحدة من شخص واحد قد تكون كافية لتوقظ ضمائر كثيرة من حوله
التعليقات