التجاهل... حين يصدر عمّن نحب، يغدو وجعًا بصوتٍ خافت لا يهدأ

ليس مؤلمًا أن يجهلك الغريب، بل أن يتجاهلك من يعرف تفاصيلك، من حفظ صوتك في الفرح، وعرف ملامحك حين ينكسر الضوء في عينيك.

أنا لا أخاف التجاهل من الجميع…

بل من أولئك الذين يسكنون جهات القلب الأربع:

من أسمّيهم إخوتي، من اخترت أن يكونوا أصدقائي، ومن أقسم قلبي أن يكون لهم وطنًا… زوجًا، رفيقًا، سندًا.

أولئك الذين جعلتُهم من طينتي، وسقيتُ وجودهم من ماء روحي، فإذا بهم يتعاملون مع حضوري كأنه لا يُثير فيهم شيئًا.

التجاهل منهم موجع، كأنك تصرخ في حلمٍ لا يسمعك فيه أحد، كأنك تُطفئ شُعلة محبّتك بنفسك كي لا تُضيء بلا فائدة.

أنا لا أبالغ، لكنني أعيش المشاعر بعمقها، أحبّ بكامل طاقتي، وأهتم كما لو أن العالم كله يتوقف حين ينكسر من أحب.

وأنا لا أطلب سوى شيء بسيط… بسيط جدًا:

أن أُقابل بالقليل من ذاك الذي أُعطيه،

أن لا أُنسى في الزحام،

أن لا أكون خيارًا مؤجلًا، أو ظلًّا لا يُلتفت إليه إلا في غياب النور.

التجاهل لا يجرح فقط، بل يُعيد تشكيلك من الداخل…

يعلّمك كيف تُطفئ قلبك، كيف تتقن الصمت بدل العتاب، كيف تبتسم وأنت تنسحب بصمت… حفاظًا على

ما تبقّى من كرامتك.


لامستِ شيئًا حقيقيًا جدًا بكلماتك… ذاك الألم الصامت الذي لا يصرخ لكنه ينهش الداخل، خصوصًا حين يصدر من أقرب الناس. من الصعب أن نشرح وجع التجاهل، لأنه لا يُقاس بالكلمات، بل بالشعور الذي يُرافقنا بعده… شعور يشبه الفراغ رغم امتلاء الذاكرة بمن نحب. أري مع الوقت يبدأ هذا الوجع في التحوّل. لا يختفي تمامًا، لكنه يُعلّمنا كيف نعيد ترتيب أنفسنا، كيف نحمي مشاعرنا من أن تُهدر في قلوب لا تُنصت. يعلّمنا أن الحب لا يعني أن ننسى أنفسنا، وأن من اعتاد تجاهل وجودنا، لا يستحق أن يكون مركز هذا الوجود. ربما لا يمكننا السيطرة على من يتجاهلنا، لكن يمكننا أن نختار: ألا نتجاهل أنفسنا بعدهم.

كلماتك نبض صادق يلامس الوجع بهدوء. نعم، التجاهل لا يُوجع بصوته، بل بصمته. لكنه يُعلّمنا أن نحب أنفسنا أكثر، وأن لا نُضيّع قلوبنا في أماكن لا يُصغى فيها لنبضها.