الوجود جوهر الحقيقة الكلية ومظهرها، وتجربة المتواجد في العالم هي المجرى الذي يحيا فيه وجودَه ويدركه في تجليات تختلف شدة وضعفا.
لا شيء في الوجود يمكن أن يشبه الوجود إلا النور، فهو أصل الظهور والتجلي ، وهو ظاهر بظهورها، باطن حين تُدرَك الأشياء من حيث حيثيتُها، ولكن من حيث هو، فهو واحد، أصلُ تمييز الأشياء وتعيينها واحتوائها والاستحواذ عليها بالتسميات.
والنور إلى ذلك في نفسه غيرُ مدرَكةٍ حقيقتُه وإن تبدّت لنا هيئته.
ولذلك، فالمتواجد لا سبيل إلى إدراكه النور إلا بنور من مثله وهما نوران: نور العقل ونور القلب. فنور العقل نور حاصر ومحدودةٌ قوّتُه، وشدة نوريته متناهية، ولكن النور من حيث ما هو سابح في لا تناهيه، إذ هو في ذاته كامل.
ولكنه حين يتخارج تلتقطه الأنوار الحافة فيبهرها، وما يتبقى منه من أثر فهو ما يدركه العقل، تماما مثلما لا يرى الناس في الدنيا نجما إلا بعد زمنية تكون فيها حقيقة النور قد غابت مع أنها لا تزال حاضرة في الوجود، وهو ذا وضع المتواجد، يدرك اللحن بعد وقوعه، وهو سعيد إن أدركه بأي نوع إدراك لأن الغفلة عنه في عوالم الفجوات المُعْتِمة فقر وحرمان.
ماذا لو كان الوجود نفسه يعكس وعينا به؟ كأن النور ليس مجرد استعارة، بل هو جوهر التفاعل بين المدرك والمدرك؟ نحن لا نرى النور، بل نرى به، كما لا ندرك الوجود، بل نحيا فيه.
وربما الإدراك المتأخر ليس نقصا، بل حكمة، فالموسيقى تقدر بعد أن يتردد صداها، والنجوم ترى بعد أن يسافر ضوؤها عبر الزمن. فهل نحن في الواقع نعيش في أثر الأشياء لا في حقيقتها؟
إن ما تدعوه بالوجود الذي يعكس نفسه فهو الوجود في ذاته ولا يكون إلا في الوجود المطلق حيث إن معرفته بنفسه لا تزيد في علمه شيئا ومعرفته بأي ظرف خارجي لا تتم إلا من خلال حوهره النوري التام. ولكن الوجودات الطيفية الأخرى ما هي إلا وجودات ترددية داخل الوجود نفسه لكنها تنوجد في ظروف معتمة لذلك تفرض عليها المسافة . فالمسافة جوهرية في حق الوجود المتكثر حتى يتحقق بقدر ما يحتمله من اشتداد. وهنا تظهر المسافة لا كفاصل، بل كجوهر لازم للتكثّر، كما الماء لا يُرى إلا إذا تحرك في موج.
التعليقات