العالم ليس قصة تُروى، ولا معادلة تُحل، ولا حلمٌ ينتظر التحقق. إنه لوحة فوضوية، كل ضربة فرشاة فيها هي حياة تُولد، وحياة تنطفئ. لا يوجد معنى ثابت، بل معانٍ تتغير بقدر ما تتغير العيون التي تنظر. نحن لسنا أبطالًا، ولسنا متفرجين، نحن مجرد ظلال تمضي، تترك أثرًا باهتًا، ثم تذوب في صمت، بينما تستمر اللوحة في الامتلاء بألوان لا نهائية من الوجود والعدم.
عالمٌ لا يحفظ أسماء العابرين
ربما يكون العالم كما تصفه، فوضويًا، لا يحفظ أسماء العابرين، ولا يمنحنا يقينًا ثابتًا. لكنه أيضًا ليس مجرد لوحة تُملأ عشوائيًا، بل نسيج من المعاني المتداخلة التي نترك فيها بصماتنا، مهما بدت باهتة. حتى الظلال التي تمضي تترك أثرًا، ولو للحظة، في عين من يراها. ربما لا نكون أبطالًا، وربما لسنا متفرجين، لكننا لسنا بلا صوت. نحن من يمنح الألوان معناها، ومن يجد وسط الفوضى لحظات من الجمال، حتى لو كانت مجرد ومضة عابرة في هذا الامتداد اللانهائي للوجود والعدم.
ربما العالم ليس عشوائيًا بالكامل، لكنه أيضًا ليس منظمًا كما نود أن نتصور. نحن نبحث عن المعنى لأن عقولنا لا تتحمل الفراغ، فنحن من نخيط النسيج، ونرسم الألوان، ونحاول إعطاء الفوضى ملامح يمكننا فهمها. لكن الحقيقة قد تكون أكثر قسوة: ما نراه أثرًا قد يكون مجرد لحظة تتلاشى، وما نعتقد أنه بصمة قد يضيع مع الزمن.
قد لا يكون السؤال: هل نترك أثرًا؟ بل: هل الأثر نفسه بحاجة لمن يلاحظه حتى يكون له معنى؟ إن كانت الإجابة نعم، فوجودنا مرتبط بإدراك الآخرين. وإن كانت لا، فربما كل ما نفعله ليس إلا محاولات يائسة لكتابة أسمائنا على صفحة تُطوى في النهاية، سواء قرأها أحد أم لا.
قد لا يكون السؤال: هل نترك أثرًا؟ بل: هل الأثر نفسه بحاجة لمن يلاحظه حتى يكون له معنى؟
أختلف مع هذا الطرح، لأنه يفترض أن الأثر لا قيمة له إذا لم يُلاحظه أحد، لكن ماذا عن الأشخاص الذين تركوا بصماتهم في التاريخ، رغم أنهم لم يُقدَّروا في زمانهم؟ نيكولا تسلا مثال واضح على ذلك.
تسلا قدم اختراعات غيرت العالم، مثل التيار المتردد (AC)، لكنه عاش ومات دون أن ينال التقدير الذي يستحقه. لو طبقنا فكرة أن "الأثر لا معنى له بدون من يلاحظه"، لقلنا إن مساهمات تسلا لم تكن ذات قيمة خلال حياته. لكن الحقيقة أن اختراعاته كانت ثورة غيرت وجه العالم، حتى لو لم تُقدَّر وقتها.
الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد من يراه في لحظته، بل بمدى تأثيره في المستقبل، حتى لو تطلب الأمر عقودًا أو قرونًا ليُدرك الآخرون أهميته. فوجودنا ليس مجرد انعكاس في وعي الآخرين، بل حقيقة تتجاوز الزمن والإدراك المباشر.
بالإضافة إلى ذلك، نجد أن العديد من علماء العرب والمسلمين لم يُكرَّموا أو يُقدَّروا حق قدرهم إلا بعد وفاتهم، رغم أن إنجازاتهم غيرت مجرى التاريخ.
ابن الهيثم (965-1040م)، على سبيل المثال، وضع أسس علم البصريات الحديثة وسبق نيوتن في فهم طبيعة الضوء، لكنه لم ينل التقدير الكافي في عصره. بعد قرون، اعترف الغرب بأعماله، حتى أن ناسا أطلقت اسمه على أحد الفوهات القمرية تكريمًا له.
الخوارزمي (780-850م)، الذي أسس علم الجبر ووضع نظام الترقيم العشري، لم يكن معروفًا عالميًا في حياته، لكن اليوم يُعتبر أحد أهم الشخصيات في تاريخ الرياضيات، بل إن كلمة "خوارزمية" (Algorithm) مأخوذة من اسمه.
ابن النفيس (1213-1288م): مكتشف الدورة الدموية الصغرى، والتي نُسبت خطأً في أوروبا إلى ويليام هارفي بعد أكثر من 300 عام. لم يُعرف إنجازه إلا بعد أن أعاد العلماء اكتشاف مخطوطاته في القرن العشرين!
جابر بن حيان (721-813م)، الملقب بأبو الكيمياء، وضع أسس التقطير والتبخير والتبلور، لكنه عاش في زمن لم يكن فيه علم الكيمياء يُقدر كما هو اليوم. رغم ذلك، تعتمد عليه الكيمياء الحديثة، واسمه محفور في تاريخ العلم.
الزهراوي (936-1013م): رائد الجراحة الحديثة، الذي وضع أول موسوعة طبية جراحية مصوّرة، تُرجمت لاحقًا إلى اللاتينية، وكانت المرجع الأساسي لجراحي أوروبا لقرون، لكن تأثيره لم يُدرك إلا بعد قرون من وفاته.
هذه الأمثلة الحقيقية تُثبت أن القيمة العلمية والفكرية لا تُقاس بالاعتراف الفوري، بل بمدى تأثيرها على الأجيال القادمة. كثير من العلماء يُعاد اكتشافهم بعد رحيلهم، عندما يصبح العالم أكثر وعيًا بأهميتهم، مما يؤكد أن الأثر لا يحتاج إلى مَن يلاحظه في اللحظة الراهنة كي يكون ذا معنى.
ليس كل أثرٍ يُحدث تغييرًا، وليس كل تغييرٍ يترك أثرًا. تسلا، ابن الهيثم، والخوارزمي لم يُخلَّدوا لأنهم سعوا ليُلاحظهم أحد، بل لأن ما قدموه كان يحمل جوهر البقاء بحد ذاته. الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد من يراه، ولا حتى بمن يعترف به، بل بقدرته على تجاوز الزمن بنفسه. السؤال ليس: هل سيُدرك العالم قيمته يومًا؟ بل: هل هو قادر على البقاء حتى لو لم يُدركه أحد؟ فالخلود ليس في العيون التي تراه، بل في الحقيقة التي لا تموت.
التعليقات