14

التسول ظاهرة في تزايد مخيف

التسول ظاهرة اجتماعية مشينة للدول والجماعات، قديمة قِدَمَ البشر، تشتد وتنتشر في فترات الحروب والأوبئة والأزمات الاقتصادية، كما في وقتنا الحاضر ،حيث توالت علينا الكوارث، من وباء كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وحروب أخرى متفرقة هنا وهناك، وكذلك الجفاف والتقلبات المناخية، مما أدى إلى ركود الاقتصادات في مناطق عدة من العالم، وغلاء المعيشة، ما جعل جحافل من الفقراء تنضاف إلى عرمرم المتسولين. فتَجِدُ نفسَك وأنتَ تمرُّ مِنْ شوارع مدينتك، وسط جموع من المتسولين لا تعرفُ أيٌّ منهُم الأحَقُّ بالصَّدَقَةِ. بحيث أصبح الذين لا يَجوزُ التَّصَدُّقُ عليهم يتفنَّنون في اخْتِلاق أساليب وحِيَّلٍ للتسول والاستجداء، تجلب لهم التعاطف والشفقة، وبالتالي يستفدون من هذه المهنة المذلة لإنسانية الفرد، والحاطة لكرامته، على حساب مَنْ يستحق الصدقة بالفعل.

في هذه الحالة، ألا تَرَوْن معي أن بتصدقِنا على هذه الفئة، ما نزيد الطين إلا بلة، ونساهم في مَأْسَسَةِ التسول من حيث لا نَدري ولا نَقْصِدُ ولا نرغبُ .

إذن ماذا نفعل؟ أنَمْتَنِعُ عن الصدقة بالشوارع تماما؟ ونبحث في عن أناس مختبئين وبهم خصاص كبير، ولا يتجرأون على الظهور و مَدِّ اليَدِ، وهؤلاء مَنْ تجوز الصدقة عليهم، وكيف نتعرف على المستحقين للصدقة في الشوارع؟ ونحن كأفراد كيف نُجَفِّفُ منابع التسول من جهتنا إن أمْكَنَ، أو على الأقل لا نرمي الحطب للنار فنزيدها توهجا؟.


أحسنتِ الطرح والمناقشة أ. أمينة!

يحضرني موقف محرج في هذا السياق، مررت به من أسبوع تقريباً حين اقتربت مني سيدة فاضلة في الشارع وكانت تحاول أن تستفسر عن أحد العناوين ولكن بسبب ضجة الشارع وبسبب أحكامنا المسبقة الجاهزة التي صارت ردة فعل لا أعرف إن كانت طبيعية أم لا على ظاهرة التسول التي غزت وحق لها أن تغزو شوارعنا في سوريا بسبب الفقر والتضخم الهائل الذي نعيشه وتدني دخل الفرد، وشبه انعدام فرص العمل بشكل مرعب حتى نكاد لا نملك أي حل لما نحن مقبلون عليه من محنة الجوع التي يعيشها حقيقة الكثيرون.

كي لا أطيل عليكم كان ردي عليها بأني اعتذرت منها بلباقة فلم أكن حاملاً لأية نقود، ابتسمت ووضحت لي بأنها تساءلني عن عنوان أحد المحلات فقط، وهنا تمنيت لو تشق الأرض وتبتلعني من كمية الإحراج الهائل الذي صب علي... واعتذرت منها شديد الاعتذار، ولمت نفسي ولمت الحالة التي نعيشها والتي جعلتنا نقولب ردودنا وفق أحكام مسبقة.

في هذه الحالة، ألا تَرَوْن معي أن بتصدقِنا على هذه الفئة، ما نزيد الطين إلا بلة، ونساهم في مَأْسَسَةِ التسول من حيث لا نَدري ولا نَقْصِدُ ولا نرغبُ .

للأسف نشهد اليوم مأسسة حقيقية ليست وليدة اللحظة بل حتى صرنا نشهد اليوم توظيفاً خطيراً للأجهزة التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي ضمن هذا السياق، في المقابل أثر ذلك في ظهور محتوى رقمي استهلاكي ينخر في جذور المجتمع وقد يصل بصاحبه لدرجات بعيدة من الابتذال والإهانة وكسر النفس وعزتها بشكل يلفت الانتباه ضمن تحديات أو ألعاب تعرض بشكل مباشر لاستجلاب دعم أو ربح سريع.

إذن ماذا نفعل؟ أنَمْتَنِعُ عن الصدقة بالشوارع تماما؟ ونبحث في عن أناس مختبئين وبهم خصاص كبير، ولا يتجرأون على الظهور و مَدِّ اليَدِ، وهؤلاء مَنْ تجوز الصدقة عليهم، وكيف نتعرف على المستحقين للصدقة في الشوارع؟

لا تكون هذه الحجة مانعاً لنا أو مبرراً جاهزاً معلباً لغل يدنا، نحن لنا نوايانا في المحصلة، ونجتهد ما استطعنا في تحري المستحق من غير المستحق في زمن أصبح يمكن القول فيه بأن الأغلبية تستحق وتجوز عليهم الصدقة للأسف وقلة قليلة من لا تستحق وسط انعدام أو بالأحرى شبه انقراض للطبقة المتوسطة، لا بأس في التبرع لجمعيات أو منظمات تشرف على جمع التبرعات والصدقات من أهل الخير وتوصيلها لمستحقيها، فبالتأكيد سيكون لديهم فريق داتا يحدد مجموعة من المعايير والآليات لتحديد الأولى فالأولى من ناحية الاحتياج.

شكراً جزيلاً لك ولطرحك، وأتمنى أن تمر مداخلتي عليك بشكل لطيف.

حقيقة، عمار.

أصبحنا نرتاب من كل من يعترض طريقنا، قبل ما نتحقق مما يريد، وهذا طبيعي بالنظر إلى انتشار الاحتيال والخداع.

نعم، الأفضل أن نتبرع لجمعيات خيرية ومنظمات خاصة، لها امكانيات وامكانات فرز المستحقين للصدقة وهكذا تصل التبرعات للأولى بالصدقة.

الشكر لك عمار.

صحيح للأسف الشديد.