لنفترض بأنّ الطبيب الذي تعمل تحت ادارته قام بتكليفك برعاية و متابعة مريض سرطان حالته مستعصية جدًا بالكاد يعيش ثلاثة شهور... بالطبع الرعاية ستكون في منزل المريض.
تذهب لمنزل المريض مع حقيبة بها أنبوبة أكسجين بالإضافة إلى مسكنات الألم، فبالتأكيد المريض بحاجة إلى مثل هذه الأشياء.
لكن الأمر الذي ستتفاجئ منه هو رفض المريض تناول المسكن بحجة أنه لا يرغب في أن يداهمه النعاس، كونه يأمل ألا يفوّت وقته الثمين مع أسرته وأن يقضي كل دقيقة معهم، ولكن زوجة المريض طلبت منك بإعطاء زوجها مسكنات دون علم زوجها (بطريقة ما)، كونها لا تود أن يتألم أمامها أو أن يتذوق جرعات الألم أمام ناظرها وناظر ابناءها.
هنا ماذا ستفعل؟
- هل ستتقبل ما أمرتك به زوجة المريض وستقوم بإعطائه مسكنات الألم؟ وإن كنت ستفعل ذلك، أليس هنا أنت لم تحترم رغبة واستقلالية المريض؟
- أم أنك ستنفذ رغبة المريض ولن تعطيه المسكن؟ إن كنت ستفعل ذلك؟ هل ترى بأنه من الأخلاقي أن نرى شخصًا يتألم أمامنا ونرفض مساعدته ناهيك بأن أهله سيتألمون كما هو سيتألم؟
بالتأكيد قد يبدو القرار الصحيح للوهلة الأولى هو الموافقة على اعطائه المسكن.
ولكن...
كطبيب هناك ثلاث جوانب تحكم الأمر (حسب ما أعرف):
الجانب الأخلاقي
الجانب القانوني
الجانب العاطفي
والثلاث جوانب يجب أن تصب في شيئ واحد وهو "مصلحة المريض"
الجانب الأخلاقي: سيحتم علي بأن لا أعطي المريض أي عقار أو اجري له أي اجراء الا بموافقته (إن تبين أنه أهل لذلك) وبالتالي أخلاقيا لن أستطيع اعطائه المسكن طالاما أنه رافض اخذه.
الجانب القانوني: وهو في غالب الاحيان يتماشى مع الجانب الأخلاقي وهو حرمة جسد المريض واحترام قراراته وعدم التدخل الا بموافقته (طالما انه مؤهل عقليً لذلك) وبالتالي اي شكوى ضد الطبيب سيتعرض للمحاسبة.
الجانب العاطفي: والذي سيدفعني بقوة ملحة لأن أستجيب لرأي الأهل، ولكن الجانبي الأخلاقي والقانوني يمنعاني من الأستجابة لطلب الأهل.
وبما أن الجانبي الأخلاقي يحتم على الطبيب القيام بالأفضل لمصلحة المريض والجانب العاطفي أيضا يعزز ذلك...
علينا ايجاد حل يرضي المحاور الثلاثة بحيث لا نكسر ارادة المريض ولا ندعه دون اعطائه الخيار الأفضل... وهنا تأتي مهارات الطبيب في الإقناع والتأثير على قرار المريض لما هو أفضل له، والا لن استطيع اعطائه المسكن على الرغم من أن قلبي سيتقطع على المريض وأهله بدون أن أستطيع فعل شيئ لأجله سوى محاولة اقناعه.
ولمن يسأل ما المشكلة في أن نكسر ارادة المريض طالما أن اعطائه المسكن يصب في مصلحته؟
نعم في مصلحته طبيا ولكن ليس في حياته ككل، بمعنى:
المريض لديه ارادة غير ما تريده أسرته وبالتالي هو شخصيا لا يريد أن يتخلى عن موقفه ولا يريد أن ينصاع لرأي أسرته، وهذا يكون بينه وبين أسرته فقط، بمعنى أنك لايجب أن تكون داخل تلك المعادلة، فان اعطيته المسكن ستكون قد نفذت قرار عائلته عليه بما لا يريده (ستكون أداة الأهل لتنفيذ ارادتهم على المريض) وجعلته يبدو ضعيفا وجردته من أي حق لأن يقرر لنفسه.
طبعا المسكن هنا هو مجرد مثال بسيط ولكن هناك العديد من المواقف أو القرارات التي تتشابه مع مثال المسكن وقد تكون مصيرية لحياة المريض للأبد...
وفي النهاية بالرغم بأن المسكن مثال بسيط وأنه على فرض لم يتبقى للمريض الكثير ليعيشه فأنه لن أستطيع اعطائه اياه بدون موافقته (طالما ان صحته العقلية تسمح بذلك).
عذرا على الاطالة...
هل توافقونني الرأي
التعليقات