الـســـلام الـداخـلــي

ربما لو سألت العديد من الناس عن السلام الداخلي (inner peace) وهل يعيشون به فعلياً سوف يكون جواب الأغلبية بالإيجاب، ولكن عندما نتحقق من ذلك قد تكون الحقيقة مغايرة.

أن تكون في «سلام» يعني للكثيرين أن تكون صحياً «متوازناً» وهو عكس أن تكون مرهقاً وقلقاً، يُعرَّف السلام الداخلي بأنَّهُ: حالة السلام التي يعيشها الإنسان مع تكوينه الروحي والعقلي، ومع ما يكفي من فهمه ومعرفته للمحافظة على قوة النفس وثباتها في مواجهة أنواع الضغوطات.

فسلامة العقل تأتي بعدم ازدحام العقل بالذكريات السيئة والأفكار والتحليلات الزائدة غير الضرورية وتضخيمها فضلاً عن الأفكار السلبية الهدامة، تقول بعض الدراسات إنه كل يوم نفكر بـ 60000 فكرة مختلفة ومتنوعة، ولكن - للأسف - فإن نسبة الأفكار السلبية من بينها هي نسبة مرتفعة جدًا فأكثر من 75 % - 80 % من تلك الأفكار ما هي إلا أفكار سلبية متشائمة.

وفي الحقيقة إن 93 % من الأفكار السلبية التي نفكر بها ونعتقد أنها سوف تؤدي إلى أحداث سيئة وأشياء سلبية هي في الحقيقة أفكار لن تحدث، وعندما يمتلئ العقل ويفيض بها سيحمّل النفس ما لا تطيق، عندها ينعدم السلام النفسي الداخلي.

وكما هو معروف فإن النفس والجسد يؤثران على بعضهما البعض، فيصاب الشخص بما يسمى بالاضطرابات النفسية الجسدية (Psychosomatic disorders) أي الأمراض الجسدية التي يكون سببها ضغوطات نفسية نتيجة أسلوب تفكير غير سليم، وهذه الأمراض كثيرة جداً كالضغط والسكري والذئبة الحمراء وصولاً إلى الدراسة التي تشير إلى الإصابة بالأورام نتيجة لضعف المناعة ناهيك عن الأمراض النفسية القلق والاكتئاب.

البشر يختلفون بأساليب وأنماط تفكيرهم فلا يوجد شخصان متطابقان تماماً بنمط وبأسلوب تفكير واحد. فهناك من يتذمر لأن للورد شوكاً.. وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوك وردة، وكما يقول الفيلسوف الكبير سقراط: «بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورد أو من الشوك».. جميعنا يحتاج إلى الهدوء والصفاء الذي يجلبه السلام الداخلي نبحث عن استقرار العواطف حيث لا يوجد مشكلة.

وعندما توجد مشكلة يستطيع العقل المتحرر من جميع المنغصات حلها وتقبلها بسهولة، وبالواقع الوصول إلى السلام الداخلي ليس بالأمر السهل حيث إنه يحتاج إلى ممارسة وتدريب يومي بإضافة أساليب جديدة والتحرر من النمط التفكير القديم.

السلام الداخلي هو اختيار ومقدار، فلا يمكن أن يكون مقدار السلام الذي أحققه هو نفس المقدار الذي يحققه شخص آخر، فعن طريق الممارسة اليومية والتدريب نستطيع رفع معدل هذا الشعور.

التوازن ليس هو الشيء الوحيد الذي يجب تحقيقه بل يجب أن يكون السلام الداخلي أسلوب حياة، فيما يلي بعض الطرق التي تساعد على تحقيق السلام الداخلي: أولاً: التخلص من العلاقات السلبية، وإراحة العقل من الأفكار وتحرير النفس من قيود القلق، والإجهاد وذلك من خلال التأمل والتنفس بعمق، ثانياً: الحفاظ على بساطة الأمور، من خلال التعامل مع أمور الحياة ببساطة، وفعل الأشياء على مراحل وليس دفعة واحدة، ثالثاً: تعلّم الصبر، وعدم العجلة في الوصول لما تريد، رابعاً: العيش باللحظة الحالية فقط، وعدم التفكير السلبي بالماضي أو المستقبل، خامساً: تجنّب الحكم المسبق على الأمور أو الأشخاص، سادساً: القيام بالأمور التي تجلب السعادة مثل: تقدير واحترام الذات، الثقة بالنفس، التركيز على الجوانب الجميلة في حياتك.

أخيراً.. إن ممارسة الأساليب التي تساعد على فتح العين الثالثة «تنمية الحاسة السادسة أو البصيرة» لها دور كبير في دخولك عالم السلام الداخلي.

ممدوح السهلي


التعليق السابق

هل يمكننا تعميم منظور هذه المساهمة الموفقة من جانبك أستاذ ممدوح السهلي؟

إن التدريب على هذه المعطيات يتطلب قدرة كبيرة، وليس الجميع قادرين على امتلاك هذه القوة، مثلُا في سوق العمل، بينما الشخص منهمك في ساعات طويلة من عمله، ثم إلى المنزل، ثم إلى مشكلات، ثم إلى أذمات، كيف يمكن لهؤلاء أن يطبقوا العوامل الستة - المهمة بحق - في الحقيقة كنت أنصح البعض بأن يجربوا التأمل من أجل تخفيف الضغوط، لكنهم كانوا يقولون لي أنهم ليس لديهم توقيت للتأمل، وفي الحقيقة هم لا يمتلكون وعيًا كافيُا بأهمية هذه الأمور، أي أنهم ينظرون لها باعتبارها عديمة الأهمية، أعتقد أن نظرتهم تلك - مع اختلافي معها - تبدو صحيحة بالنسبة لهم، لأن الضغوط المستمرة تجعلنا ننظر للحياة باعتبارها ضاغطة، وأنه لم يُخلق مجال فيها للراحة والتعافي.

اهلا عزيزي محمود لانستطيع تعميمها على الجميع لانها تحتاج الى قوة العقل وقوة العزيمه