12

هل النجاح يجعل الناس أقل تعاطفًا؟

كنت اعمل في مكان ما وكان صاحب المشروع دكتورًا في الجامعة، في عدة مواقف وتعاملات لاحت أنه يحمل طلابه العديد من العبأ ويصفهم بأنهم قليلو العمل ويرغبون في النجاح بلا تعب، وقد حكى في أحد المرات التي يتحدث فيها عن المعاناة التي خاضها عندما كان طالبًا هو الآخر.

في الحقيقة بعد بعض التعامل معه وجدت أنه لا يحمل شفقة أو تعاطف تجاه غالبية الناس لأنه يرى أنهم لا يبذلون جهدًا كفاية كما بذله هو في الماضي، وأن رد فعله تجاه الطلاب كان هو الرغبة في وضع نفس العقبات والأعباء التي وضعت عليه أثناء كونه طالبًا أو ربما حتى أكثر منها.

لاتفاجأ بعدها أن الأمر لا يخصه فقط، هناك نظام مجتمعي كامل لا يتعاطف مع الذين فشلوا في شئ ما، هناك دكتور الجامعة مثل الذي تحدثت عنه، وهناك مثلًا الجار الذي سيخبر أباك أنه مرفه بمعاملته الجيدة لك، وهناك النساء الذين يخبرون أزواج نساء أخريات أنهن يتدلعن أو يبالغن في تهويل الألم، وهناك والدك نفسه الذي سيقول أنه في سنك كان ربما رائدًا للفضاء.

نظام مجتمعي كامل ينتظر وقعة واحدة فقط لأي شخص ليخبره كم أنه كسول مقارنة بعمه، وثرثار مقارنة بخالته، وعديم الخبرة مقارنة بخاله، الكل ينتظر لحظة ما ليقارنك بنفسه وأنك لابد أن تكون فعلًا قليل النفع وفاشل مقارنة بهم وأنك غير جدير بالتعاطف من قبلهم!

هل لاحظت هذا مثلي؟ وهل تعرف ماذا إذا كان النجاح يجعل الناس أقل تعاطفًا؟


يحكي الدكتور أحمد زويل غفر الله له ورحمه عن تجربته في أمريكا انه قال

ان الأمريكيون ليسوا ناجحين ولا متفوقين ولكنهم يدعمون الفاشل ويقفون بجانبه حتى ينجح، اما نحن المصريون فنهبط عزائم الناجحين وننتظرهم حتى يفشلوا،، فهو والله لعمري قد صدق قوله رحمة الله عليه،،

اننا وبكل اسف في مجتمع لايدعم اي احد ليصل الي النجاح،، نحن فقط نتعب ونجاهد ونكافح ولا نصل الي اي نتائج،، ومن يقرأ كتاب تراث العبيد في تاريخ مصر الحديثه للدكتور ع. ع سيري ان المجتمع المصري وبكل اسف ورث أسوأ الصفات من تراث العبيد والمماليك في الكيد بالناجحين حتى يفشلوا بل وتثبيط عزائمهم حتى يصلوا الي ماتحت القاع فيسقطون سقوطا صريعا ولاحول ولاقوة الا بالله،، ولقد استنتجت جيدا من تجربة الدكتور أحمد زويل وهذا الكتاب الذي كتب لنيل رسالة الدكتوراه في علم الاجتماع التاريخي،، ان كل من أراد أن يحقق النجاح ويصيب أعلي معالي المجد لابد وان لايعيش في مصر ابدا،، وعليه ان يهاجر الي الخارج،، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يمكن لدعوة الإسلام وتحكم الأرض لم يقم ابدا في مجتمع مكه وقريش الذي ولد فيه بل هاجر خارجه الي المدينة المنوره حتى تقوى شوكة دعوته،، وكذلك ابراهيم عليه الصلاة والسلام هاجر مجتمع بابل بالعراق وهاجر الي واد غير ذي زرع كي يبني مجتمعا صالحا بعيدا عن آفات الشرك والكفر وكل أشكال العداوه والكيد والمكر .

صحيح قولك، تذكرت هذه العبارة فعلًا وقد كنت قرأتها سابقًا عن الدكتور، وتذكرتها وأنا اكتب حتى ... وأظن للأسف أن الأمر ليس في مصر وحدها وإنما في دول العالم الثالث بشكل عام.

اتمنى أن يأتي اليوم الذي نشعر فيه أننا نسعى لرغباتنا دون الهروب من فكرة السحق المجتمعي