هل حرص الإنسان على مصلحته الفردية يتعارض مع صلاح الأخلاق؟

نشب شجار بين اثنين من الزملاء في العمل، بسبب حرص الأول على الظهور دائما، حرصه على أن يتصدر أي مشهد حادث بالعمل.

كي أكون أمينا في نقل الصورة كاملة، فصديقنا هذا مجتهد فعلا، لا يدخر وقتا ولا جهدا، وربما يكون أكثرنا بذلا للوقت والجهد داخل مقر العمل، وفي الوقت ذاته هو يتكسب من العمل بشكل ممتاز، والمشكلة الرئيسية بينه وبين أغلب الزملاء، هو حرصه على مصلحته الشخصية بشكل واضح للعيان.

لم أشهد له موقفا أو حادثا تسبب فيه في أذى لغيره في الحقيقة، ولكن حرصه على مصلحته الشخصية بشكل زائد عن الحد جعل الجميع ينفرون منه واحدا تلو الآخر، حتى نشب ذلك الشجار والذى انتهى بنعت الثاني للأول بقوله:

"أنت أناني لا تعرف سوى مصلحتك وفقط، أنت عديم الأخلاق يا هذا، ولا يشرفني معرفتك"!!

------

البعض يعتقد أن من أساسيات صلاح الأخلاق تغليب المصلحة العامة وإيثارها على المصلحة الشخصية، والبعض يرى أن إهمال المصلحة الشخصية هو عيب في الشخصية ذاتها، وأن حرص الإنسان على مصلحته الشخصية لا يتعارض مع صلاح الأخلاق شرط ألا يتسبب في إلحاق ضرر مباشر بالغير!

في رأيكم؛ هل كان زميلنا محقا في هجومه،و هل حرص الإنسان على مصلحته الفردية يتعارض مع صلاح الأخلاق بشكل عام؟


السعي وراء المصلحة الشخصية ليس خطيئة بحد ذاته، بل هو المحرك الأساسي للنمو والإنجاز، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول هذا السعي إلى حالة من الاستحواذ التي تستهلك كل الأكسجين في الغرفة وتهمش وجود الآخرين. زميلك الأول لا يرتكب خطيئة مهنية بكونه مجتهداً ويبذل وقتاً مضاعفاً، وغياب الضرر المباشر—كأن يسرق مجهود غيره أو يوقع بهم—يحميه من تهمة "انعدام الأخلاق" بالمعنى الصريح. ومع ذلك، النزاهة المهنية والاجتماعية لا تقتصر فقط على "عدم الأذى"، بل تمتد إلى "طبيعة الأثر" الذي نتركه في مساحة العمل المشتركة.

بيئة العمل الصحية والمستدامة لا تُبنى فقط على الإنجاز الفردي مهما كان استثنائياً، بل تعتمد بالأساس على بناء دائرة من الثقة، الشراكة الحقيقية، والموثوقية العميقة بين الأفراد. الشخص الذي يستميت لتصدر المشهد دائماً ويتجاهل حق زملائه في التقدير، يمزق هذه الدائرة ببطء. النجاح الحقيقي والمتماسك يحتاج إلى فريق يعمل بانسجام، وهذا النمط من الاستحواذ الفردي يكسر هذا الانسجام ويخلق شعوراً بالاستغلال والتهميش لدى البقية، وهو ما يفسر النفور التدريجي الذي انتهى بالانفجار.

أما هجوم الزميل الثاني، فقد جاء كنتيجة حتمية لتراكمات طويلة من الإحباط. ورغم أن استخدامه للفظ "عديم الأخلاق" قد يبدو قاسياً أو غير دقيق إذا قسناه بمسطرة النوايا، إلا أنه يعبر بصدق عن الانهيار التام للثقة. الانفعال جعله يخلط بين افتقار زميله للذكاء العاطفي وإدراك قيمة النجاح المشترك، وبين الفساد الأخلاقي؛ فالزميل الأول يفتقر بشدة إلى المروءة المهنية وروح الفريق، لكنه ليس بالضرورة شريراً يتعمد الأذى.

حرص الإنسان على مصلحته لا يتعارض أبداً مع صلاح الأخلاق، طالما أنه يمتلك الوعي الكافي لترك مساحة للآخرين ليحققوا مصالحهم أيضاً. التوازن الحقيقي يكمن في الاجتهاد الفردي المغلف بالنزاهة، حيث يمكن للمرء أن ينجح ويتميز، وأن يدفع من حوله للنجاح معه أو على الأقل يعترف بجهدهم، بدلاً من القفز فوق الجميع ليقف وحده تحت بقعة الضوء.