"شخصية المرء هي قَدَره"، هل تتفق مع هذه العبارة؟

"شخصية المرء هي قَدَره" عبارة قالها: هِرَقْليطس، وإن كنت لا تعلم من هو فهو فيسلسوف يوناني (بالطبع ستعرف ذلك من اسمه) ولكنه كان فيما قبل عصر سقراط، وقد كانت معظم كتاباته حزينة حتى سمي بالفيلسوف الباكي.

بتأمل تلك العبارة ستصيبك عدة أفكار وتفسيرات مختلفة، حتى أن بعضها قد يتعارض مع الآخر، وعلى تلك المعاني أن تجد صيغة للتآلف فيما بينها.

شخصية المرء هي قدره، عبارة لأول وهلة تنسف لك فكرة أنك مسير بشكل كامل وتام ولا دخل لك في أحداث حياتك، وإنما تخبرك بشكل مباشر أن هناك لك دور فيما يحدث لك، وهو الجزء الخاص بشخصيتك، عبارة حكيمة ورقيقة ومفعمة بالمسؤولية، لا مكان هنا لنظرة الضحية أو للاتكال على الآخرين، وإنما شخصيتك هي التي تقوم على حياتك، وبناء عليه فالشخصية هي أفعالك وأفكارك، مخاوفك ومواطن شجاعتك، الكثير من الأشياء تجتمع كلها في بوتقة واحدة يمكنك تسميتها شخصيتك! تخبرك الجملة كأن بعض الأقدار المعلقة فقط متوقفة عليك، ومتوقفة على أفعالك في المناطق التي تمتلك فيها القدرة على اتخاذ أفعال، وردود أفعالك في المناطق التي تمتلك فيها ردود أفعال، وبناء عليه أنت الشخص الوحيد الذي يحرك حياتك بعد الله سبحانه وتعالى.

ألا تضعنا هذه العبارة أما الكثير من المسؤولية في كثير من المناطق التي نعتقد أليس لنا قرار فيها؟ هل تتفق مع هذه العبارة؟


أول النقاش الجدى فى تقديرى الانتباه لدلالة المصطلح "القدر" فى المفهوم الدينى والمفهوم الفلسفى ..

ففى المفهوم الدينى هو أحد الغيبيات التى يجب أن نؤمن بها .. فالإيمان بالقدر هو ركن من أركان الإيمان ، كما دل على ذلك حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فقال : ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى ) متفق عليه .

كما ان هناك نهى عن الحديث فيه .. ن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا. ..

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: وكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب. قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم!. قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده

(وهذا النهى لا يمنع بالطبع طالب الحقيقة من مدارسته مع أهل الاختصاص لأن العقائد يشترط فيها اليقين ) .

اما النقاش على المستوى الفلسفى فالقدر هنا بمعنى ما نسميه فى عرفنا الدارج "الحظ" .. اى مجموع الأحداث التى تواجهنا فتعطينا أو تمنعنا فى الحياة .. ومجموع الخصائل المخلوقة فينا بلا اختيار منا لمواجهتها .. والتدخل الالهى لك أو عليك معك أو ضدك فى هذا العطاء او المنع ..( فلسفيا خارج الموضوع).


ومبحث التسيير والتخيير معقد جدا سواء على المستوى الدينى أو الاجتماعى أو السياسى أو الانسانى ..

*فعلى المستوى الدينى

قد يصل الشارد فيه الى التشكيك فى جدوى التكاليف الشرعية والى عبثية الحساب والثواب والعقاب .. على أشياء لا نملك فيها حق الاختيار ..

وقديما قال شاعرهم

ما حيلة العبد والأقدار جارية *** عليه فى كل حال ايها الرائى

القاه فى اليم مكتوفا وقال له***اياك ااياك أن تبتل بالماء

*وعلى المستوى الاجتماعى والسياسى

فالاتجاه نحو التسيير وغلبة الاقدار ينتهى بطبقية اجتماعية جامدة غير قابلة للحراك الاجتماعى وتنتهى سياسيا بفكرة النبلاء والارستقراطيون ومن ثم الملوك والامراء هم المؤهلون للحكم وللرغد من العيش .. بينما بقية الجماهير غير مؤهلة غير ان تكون رعية ..

  • وعلى المستوى الانسانى

فالجنوح نحو فكرة التسيير هى فى حقيقتها معذرة مهزوم بينه وبين نفسه أولا ..فى واقع لا يسمح كثيرا بالانتصار .. فيخفف الانسان عن نفسه بالقاء التبعة على القدر ..

وكل الناس جاءت لها لحظات أدركت وأيقنت انها تملك ارادتها .. ولحظات هزائم أدركت وأيقنت انها مسجونة فى اقدارها ..

ولعل اديبنا توفيق الحكيم يلخص لنا الأمر انسانيا فى كتابه سجن العمر

“أملى أكبر من جهدى .. وجهدي أكبر من موهبتي .. وموهبتى سجينة طبعي .. ولكنى أقاوم ..”