إذا كان بإمكانك تغيير حياتك المهنية بين عشية وضحاها ، فما الوظيفة التي ستختارها؟

  • مجهول

قد يأتي يومًا ما عليك وتريد تغيير مسارك المهني ، ربما نتيجة إفتقادك للتحفيز ولم تعد شغوفًا بالمجال الذي تعمل به لدرجة أنك قد تخشى الذهاب إلى العمل في الصباح ، ليس هذا فقط بل تجد نفسك تُحدق في الساعة طوال اليوم وأنت تقول بينك وبين نفسك ، متى سينتهي هذا اليوم! وكأنك تعتقد بأن عقارب الساعة لا تمشي،لا بل تشعر بأنها ترجع للوراء .

ورُبما تريد أجرًا أفضل من الذي تحصل عليه في وظيفتك الحالية ، ورُبما يكون رغبة مِنك في تطوير نفسك في مجالات أخرى مختلفة تمامًا عن مجال تخصصك .

أياً كانت الأسباب ، فأننا بلا شك قد نجد بأن اهتماماتنا وأولوياتنا تتغير بمرور الوقت ، مما يجعلنا نود ونسعى إلى تغيير مسارنا المهني .

شاهدنا الكثير من الناجحين قد قاموا بإجراء تغييرات كبيرة في حياتهم المهنية وقد أبلو بلاءً حسنًا ، فقد لاحظنا "تيري كروز" الذي اعتزل كرة القدم واتجه نحو مهنة التمثيل ، أيضًا هناك رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق "رونالد ريغان" ، فقبل أن يُصبح رئيسًا كان ممثلًا في هوليوود وغيرهم من الناجحين الذين غيروا وظائفهم .

بالنسبة لي :

سأختار أن أكون عضوًا ناشطًا في منظمة دولية تختص بالعمل الانساني ، بحيث أجوب ربوع العالم لتقديم العمل الإنساني والخيري لِمن يستحق، ربما اكتشفت شُغفي في هذا المجال قبل فترة ليست بالقريبة .


بدأتُ العمل منذ سنة ونصف فيما كان "وظيفة الأحلام" بالنسبة لقسم طويل من حياتي، وهي وظيفة مع مؤسسة ويكيميديا غير الربحية التي تتخصّص بتشغيل موسوعة ويكيبيديا الشهيرة ونشر المعرفة الحرّة بشتى اللغات بدون مقابل. كانت الوظيفة مميزة جداً من نواح عديدة، منها كثرة التنقل حول العالم والتعرف على شخصيات كثيرة والعمل مع الكثير من الأصدقاء الذين أعرفهم من سنين من عملي التطوعي.

لكن السؤال هو عن الوظيفة التي سوف أختارها "لو أمكنني تغيير حياتي المهنية"، ولعلّي الإجابة الصحيحة كانت أني "سأعيد اختيار وظيفتي الحالية"، لكن هذه ليست الإجابة الواقعية، ولو تعلمتُ شيئاً من عملي فهو أن كل الوظائف هي عمل وكلّها تنطوي على درجة لا يستهانُ بها من الملل، فأي وظيفة ومهما بدت براقة من الخارج ("شركة ألعاب فيديو" مثلاً) تتحول في الحياة اليومية إلى سلسة رتيبة من المهام، وكلّما قلّ الملل أو العمل الرتيب في الوظيفة كلّما زاد عبئها النفسي والحياتي، وهذان أمران يهمني أن أوازن بينهما حينما أختار "وظيفة الأحلام"، التي قد لا يكون لها وجود.

لعل أكثر وظيفة لدي فضول بأن أجرّبها قطّ هي العمل في حماية الحياة البرية. هذا شغف يشغلني منذ زمن طويل (منذ كنتُ أشاهد ناشيونال جيوغرافيك بعد المدرسة، أو قبل ذلك ربما)، على أنني مقتنع كذلك بأن العمل في وظائف غير مكتبية شاق جداً وغير محبّب، لذا يصعب الاستمرار فيها لأمد طويل. لدي فضول كبير جداً -كذلك- للعمل في وظيفة بعلم الفلك والفضاء، وهو شغف آخر ملأ طفولتي، قد يكون في رصد الكواكب خارج الأرض أو مراقبة البيانات التي تبثّها لنا مركبات ناسا حول المريخ وزحل؟

في جميع الأحوال، العمل هو التزام بطبيعته وليست فيه بالضرورة "متعة" كما قد يتخيلها الإنسان. لو كنتُ سأغير وظيفتي ضمن حدود الحياة الواقعية، فسوف أختار غالباً العمل في السلك الأكاديمي أو في جامعة، وبنظري هذه بعض من المجالات التي تجمع بتوازن كبير بين مقدار من العمل الرتيب ومقدار من التحدي والإبداع الذي يجبُ أن يخوضه المرء، وهو توازن نحتاجه دوماً.

لذلك اميل دوما إلى الفصل بين الشغف و العمل فبالإضافة على تحول العمل على ملل أيضا كونه مصدر للرزق يجعلك احيانا ترضخ لامور و إلى القيام باعمال ما لا ترغب فى عملها فيتحول إلى عبء نفسى ايضا فلو كان عملك هو شغفك فستصل فى مرحلة ما إلى فقدان هذا الشغف بالإضافة إلى الملل. و بما انك تعمل فى ما تحب فشاركنا كيف تتغلب على هذا الملل و لم تفقد شغفك بعملك حتى الآن؟

لا أضطر للحفاظ على شغفي ضمن عملي بالضرورة لأن ما أقوم به الآن ليس شغفي تماماً. عملي الحالي هو في فريق للتخطيط الاستراتيجي (يتولى وضع وتنفيذ خطة لموقع ويكيبيديا ومجتمعه حتى عام 2030)، لكن الشغف الذي حملني على التطوع في ويكيبيديا منذ عشر سنوات تقريباً هو كتابة المقالات أو المحتوى. حالياً، لا أشعر في عملي اليومي بشغف محدّد ولا بضجر محدّد، بل "أعمل" فحسب، وقد وجدتُ من هذه التجربة أن وظيفتي -رغم أنها قريبة جداً من مجال تطوعتُ فيه لسنين بدون مقابل- ليست ممتعة ولا مملة إلا في حالتين: تكونُ مملة حينما أقوم بعمل روتيني لا يلزمه تفكير، وتكونُ ممتعة حينما يواجهني تحدّ يحتاج لعناء إضافي لاجتيازه؛ على شرط أن أنجح في اجتيازه وأبلي بلاءً أفخرُ به.

أرجو أن لا تكون هذه الإجابة معقّدة، لكن لدي إجابة أخرى أسهل: سبق لي وأن عملتُ لسنين طويلة في "شغفي" الذي أمارسهُ يومياً لقاء مال أو بدونه، وهو الكتابة والترجمة. ولا أعلم هنا لو كنتُ قادراً على التعميم لأن هاتين المهنتان تقومان على الإبداع والحرية الشخصية، لكني شعرتُ حقيقةً بأن العمل فيهما بلقاء مادي يقتل شغفي ومتعتي، بل ويحوّلها إلى مهمة متعبة مكللة بالعناء. أمضيتُ آلاف الساعات على مر حياتي وأنا أكتبُ بدون مقابل بسعادة غامرة، لكني لم أسعد يوماً بالكتابة لقاء المال، فقد شعرتُ وقتها بكل أعباء الكتابة الذهنية المستنزفة التي لم أفكّر بها قط قبل ذلك.

أهو بسبب القيود على الموضوعات والأسلوب؟ أهو لأني أشعر بأني أبيعُ شيئاً هو ملكي؟ لست أدري، لكني لم أحبّ فكرة "العمل في شغفي" أبداً، وأظنني مرتاح أكثر الآن حيث أعمل بوظيفة قريبة نسبياً من مجالات اهتمامي وأتفرغ بالعطل للعمل على "شغفي" الفعليّ.