كثيرًا ما نختزل "اكتشاف الذات" في اكتشاف المواهب والملكات والقدرات فقط .. وكأننا في رحلة بحث عن كنوز مخفية داخلنا.

لكن الحقيقة أن اكتشاف الذات لا يكتمل إلا باكتشاف ما يعوقنا أيضًا… بوعي الجوانب السلبية التي تتسلل إلى قراراتنا وسلوكنا.

خالق الإنسان نفسه لفت نظرنا إلى هذا التوازن العميق .. فقال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس: 7–10)

الآية لم تذكر التقوى وحدها .. بل ذكرت الفجور أيضًا.

كأنهما سنّا رمحٍ في يد الإنسان… أحدهما يرفعه .. والآخر يطعنه إن لم ينتبه.

الفجور هنا لا يعني فقط المعصية بمعناها الضيق .. بل يشمل كل الطاقات السلبية التي يمكن أن تنمو داخلنا إن أهملناها:

حب التملك .. حب السيطرة .. الغيرة المريضة .. الحسد .. الغضب غير المنضبط .. الأنانية .. التعالي…

وفي المقابل .. تحمل التقوى معاني أوسع من مجرد الشعائر؛ فهي منظومة قيم:

الإحساس بالجمال .. الحب .. العطف .. الرحمة .. الاحترام .. الشهامة .. والعدل.

المفارقة أن بعض الناس يسعون لاكتشاف مواهبهم فقط .. ويطوّرون قدراتهم .. ويصقلون مهاراتهم… لكنهم لا يواجهون نقاط ضعفهم.

وهنا تكمن الخطورة.

  • لأن الموهبة حين تجتمع مع الأنانية تصنع مستبدًا.
  • والذكاء حين يتغذى على حب السيطرة يصنع متسلطًا.
  • والقدرة حين لا يضبطها خلق تتحول إلى أداة إقصاء للآخرين.

من يريد أن يكتشف ذاته حقًا .. عليه أن يسأل سؤالين لا سؤالًا واحدًا:

ماذا أملك من قدرات؟ وما الذي في داخلي إن لم أروّضه سيهدم كل ما أملك؟

تزكية النفس ليست إنكارًا لوجود السلبية .. بل اعتراف بها ثم تهذيبها.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تصبح قويًا فقط… بل أن تصبح قويًا وعادلًا.

أما البحث عن الملكات دون مواجهة السلبيات .. فهو أقصر طريق لصناعة ديكتاتور صغير… يبدأ بحب كل شيء لنفسه .. وينتهي بحرمان الآخرين من كل شيء.

هل سبق أن واجهت في نفسك سلوكًا سلبيًا كان يعيق تقدمك، وكيف تعاملت معه؟