المشكلة تكمن في "المحلية المفرطة" التي تبتلع أي طابع عالمي أو مشترك للمنصة. عندما تسيطر كتلة بشرية من بيئة اجتماعية واحدة على مجتمع رقمي، فإنها وبشكل تلقائي تسحب بساط النقاش نحو همومها اليومية وصراعاتها المحلية وتفاصيلها الثقافية الخاصة. هذا التحول يحول المنصة من "مساحة فكرية عابرة للحدود" إلى مجرد مرآة لتريندات الشارع في بقعة جغرافية معينة، وهو ما يفسر شعور المستخدمين الآخرين بالاغتراب التام، فالمواضيع المطروحة لم تعد تعبر عن اهتماماتهم أو مشاكلهم، بل أصبحت صدىً لنزاعات اجتماعية وفكرية بعيدة كل البعد عن واقعهم.
هذه المركزية الجغرافية تقتل التنوع المعرفي، لأنها تفرض لغة حوار وأسلوب نقاش ونوعية مشاكل لا يفهم أبعادها إلا من يعيش داخل تلك الدائرة، مما يجعل الزائر من خارجها يشعر وكأنه دخل نقاشاً عائلياً خاصاً لا يخصه. ومع الوقت، ينسحب أصحاب الخبرات والمساهمات النوعية لأنهم يبحثون عن بيئة مهنية أو معرفية تجرد الأفكار من سياقها المحلي الضيق وتضعها في إطار النفع العام. وبدلاً من أن يكون المجتمع جسراً يجمع العقول العربية من المحيط إلى الخليج، ينتهي به المطاف كجزيرة معزولة لا تناقش إلا نفسها، وهو ما يفسر فقدان الشغف بالمشاركة أو المتابعة من قبل الأغلبية التي لم تعد تجد مكاناً لها في هذا الزحام الجغرافي الواحد.
والمشكلة أيضا لا تقتصر فقط على "المحلية" في القضايا الاجتماعية، بل تمتد إلى استسهال الخوض في المسائل الدينية من قبل أشخاص لا يملكون الأهلية العلمية أو التخصص الشرعي اللازم. فعندما تتحول القضايا العقدية والأحكام الفقهية التي تتطلب سنوات من الدراسة والتبحر إلى "وجهات نظر" يطرحها الهواة أو غير المختصين للمقايضة والجدل، يفقد النقاش قيمته ويتحول إلى فوضى معرفية تهدف لإرضاء الأهواء الشخصية أو تبرير توجهات فكرية معينة بعيداً عن الأصول العلمية المعتبرة.
ما يحدث في الواقع هو محاولة إخضاع الثوابت الدينية لمزاج اللحظة أو لظروف مكانية وزمانية معينة دون الاستناد إلى أدوات التفسير أو أصول الفقه، مما يفتح الباب للتأويلات العشوائية التي تفتقر للحد الأدنى من الانضباط. هذا المشهد يطرد بطبيعة الحال كل من يملك غيرة على دينه أو احتراماً للتخصص العلمي، لأن الأمور التي حُسمت بالأدلة القطعية لا تتقبل "التصويت" بالقبول أو الرفض في مجتمع افتراضي، وغياب التخويل الرسمي أو الشهادات المتخصصة عمن يتصدرون هذه النقاشات يجعل من تلك المنصات بيئة خصبة لنشر الشبهات والاجتهادات الشخصية القائمة على الانطباعات العاطفية لا الحقائق الراسخة، وهو ما يفسر لماذا أصبح المجتمع طارداً للعقلاء الذين يدركون أن للدين حرمة ومنهجاً لا يصح أن يُتركا نهباً لجدالات "السوشيال ميديا".
- إن استمرار المجتمع بوضعه الراهن لم يعد يتماشى مع الرؤية المهنية لشبكة حسوب، حيث أدى الانحصار في قضايا محلية وتصدر غير المختصين للمشهد إلى فقدان القيمة المعرفية التي تميز الشبكة، مما يجعل الهوية الحالية للمجتمع في وادٍ وتوجهات الشبكة الاحترافية في وادٍ آخر، واللبيب بالإشارة يفهم.
التعليقات