حديث الغابة......بقلم: ابراهيم عثمان

حديث الغابة

بعد أن افترش تلك الصخرة الممتدة وسط الغابة ونام .. تذكر خريطة سيرته الذاتية التي رسمها على مجرى وادي سيبوس.كان الجو ممطرا يومها.. وكانت الرياح والعواصف تجتاز أخر نقطة من أكوام الطين والصلصال التي جلبها من غار سيدي شعيب، ليرسم وجه أمه ، وهي ترحل ملفوفة في قطعة قماش أبيض.

يومها بكت قدماه ويداه. وبكى لسانه، مستعينا بأصوات بعض الطيور التي رسمت علامة استفهام باصطفافها فوق مقبرة سيدي نصر التي تراقب من أعالي جبال هوارة حركة المرور في مدينتي قالمة وعنابة.. تراءت له من بعيد زاوية عمارة بديار وقبة سيدي حميدة، وكنيسة القديس يوغسطين ، وهي تمد لسانها في اعترافات الى البحر ، لعله يتراجع عن مده ، ويعترف لها بذنوبه.. وعندما يئس من الاستلقاء ، تساءل قائلا وهو يتسلق بعينيه جبال ايدوغ :

- ماذا تريد كنيسة القديس من هذا الأبيض ؟!

- ما تريده الأرض من المزن المتساقط ليلا.

سمع ركض حصان خرج لتوه من أعماق البحر.. أخذ يقترب منه شيئا فشيئا ، وهو يضبح ويقدح:

- أظنك تريد أن تتواصل مع كلام اللسان وأسنان الانسان بحثا عن اعترافات رجل جاء به الزمان. ليكون شاهدا ومعترفا بهذا المكان.

- وأنا أيضا أريد أن أختبر انسياب سيبوس بين الحقول والصخور الى أن يصل زاخفا على شواطئ الأبيض مقبلا رمالها ثم مياهها وانسانها؟!.

أمسك بأذنه اليمنى، وراح يتلمس من جديد جسد الصخرة الممتدة وسط هذا الفضاء الغارق في نشوة أبدية عارمة.، متلمسا أطرافها القاسية الجامحة.. أحس بشيئ ما يركض بداخله.

التفت يمينا ثم يسارا .. ابتعد قليلا، متأملا الصخرة من جديد ، وهي تهتز بعنف شديد تحت ساقيه.. دار حولها دورة أولى ثم ثانية وثالثة.. وعندما بلغ الدورة السابعة.. توقف لاهثا ومال بظهره على جذع شجرة الفلين التي نبتت وحيدة بين صخرتين احدهما تستقبل الشمس صباحا والثانية تودعها مساء. 

ظاهرة غريبة حقا ، ومع ذلك فالناس لم يكتشفوها بعد.

هكذا كنت أفكر قبل أن تأخذ الغابة قسطا من الراحة ، ثم تعود من جديد الى أحاديثها الشيقة.

قالت وهي تحرك أغصان أشجارها وصخورها:

- احذر أن تفتن بي فتمل وتضل وتنس أن تعبد الخالق وتنصرف الى المخلوق.

صرخت من أعماقي وأنا أتابع أحاديثها 

في اليوم الأول حدثتني بلغة يانعة وحالمة عن شيخ عاش متنقلا بين مدينتي قالمة وقسنطينة ، ليجلب العلم والمعرفة والبركة الى هذه الربوع التي تقف كعقبة كأداء أمام مزاعم العقل التي أرساها كانط وغيره من الفلاسفة .

بقلم: ابراهيم عثمان

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش