11

لماذا يُطالب بعض الرجال بالتعدد دون تحمّل مسؤولياته؟

كثير من الرجال يتحدثون عن تعدد الزوجات وكأنه حق طبيعي لهم جميعًا بدون شروط لكن العدل بين الزوجات مسؤولية صعبة جدًا ونادرًا ما تتحقق على أرض الواقع. كثير من الرجال يظنون أنهم قادرون على تقسيم الحب والاهتمام والوقت بالتساوي لكن المشاعر لا تُقسّم والحقوق لا تُمنح دائمًا بعدل كامل.

تعدد الزوجات في الغالب أصبح مصدر مشاكل نفسية للزوجات والأبناء ويُحوّل الأسر إلى ساحات صراع بدل أن يكون وسيلة للاستقرار خصوصًا حين يصبح شعار للكبرياء الشخصي عند بعض الرجال

المشكلة ليست في تعدد الزوجات بحد ذاته بل في تحويله إلى شعار يُستخدم لتبرير الرغبة لا لاختبار القدرة الحقيقية على العدل. وحين يُستخدم التعدد كحق بلا محاسبة يتحوّل من تشريع إلى وسيلة ظلم تُبرَّر باسم الحق.


من خلال ما رأيته في تجارب قريبة حولي، المشكلة لا تكون في التعدد نفسه، بل في الطريقة التي يُستَخدم بها الدين لتبرير رغبات شخصية. كثير من الرجال يرفعون شعار “هذا حقي الذي كفله لي الدين”، ثم يتوقعون من الزوجة أن تقبل، وترضى، وتصمت، وتُكيّف حياتها على ما قُسِم لها، وكأن الرضا واجب عليها وحدها.

الأمر يصبح أكثر إرباكًا حين يُطالب بعضهم زوجاته بالمساهمة في المصروف، أو بتحمّل أعباء مادية ونفسية إضافية، بينما يُقدَّم التعدد على أنه ممارسة دينية خالصة. ما يُغفل هنا أن العدل في الدين ليس شعارًا، بل مسؤولية ثقيلة، تبدأ بالقدرة المادية والنفسية، ولا تنتهي عند النفقة فقط.

من وجهة نظري، هذا الاستخدام الانتقائي للنصوص يخرج التعدد من معناه الشرعي، ويُفرغه من روحه الأخلاقية. الدين لم يمنح حقًا مطلقًا بلا التزام، ولم يفرض على المرأة أن تتحمل ظلمًا أو ضغطًا باسم القبول والرضا.

الرجولة، قبل أي شيء، هي تحمّل العواقب والوفاء بالمسؤولية، لا البحث عن مبررات دينية لخيارات شخصية. وحين يغيب العدل الحقيقي، يصبح التعدد ممارسة بعيدة عن الدين، وبعيدة أكثر عن معنى الرجولة.

هناك جانب مهم أيضًا وهو تأثير هذا التصرف على الأبناء وصورة الدين لديهم. إذا رأى الطفل أن الدين يُستَخدم لتبرير أو المصلحة فمن الطبيعي أن يكبر وهو محتار هل الخطأ في التعدد أم في الدين؟ وهذه مشكلة لأن الخطأ في التطبيق وليس في الشرع نفسه. أيضًا إذا اعتُبر التعدد حقًا بلا مسؤولية يتعلم الأبناء أن القوة تعني القيام بما يشاء بلا التزام بينما يجب أن يكون البيت المكان الأول لتعلم الدين صح. المسألة ليست فقط بين الزوج والزوجة بل لها أثر على المجتمع كله لأن الممارسة الخاطئة تتكرر وتشكل فهم الناس للدين ومعنى الرجولة.

أتفق معك أن الإشكال لا يقف عند حدود العلاقة بين الزوجين فقط، بل يمتد أثره إلى الأبناء وصورتهم عن الدين والعلاقات. حين تُستخدم المفاهيم الدينية لتبرير اختيارات شخصية دون تحمّل تبعاتها، يتحول الدين في نظر الطفل من منظومة قيم إلى أداة تبرير. هنا لا نتحدث عن حكم فقهي بقدر ما نتحدث عن أثر تربوي ونفسي طويل المدى. المشكلة ليست في النصوص، بل في طريقة توظيفها خارج سياقها الأخلاقي، بحيث تُفرض الطاعة ويُغيب العدل، ويُطلب من الطرف الأضعف التكيّف دائمًا باسم الصبر أو القبول.