ذات مرة كنت على وشك اتخاذ قرار شديد الأهمية في حياتي، بل إن على أساسه كانت سيتحدد مصيري للسنوات القادمة، وكنت مترددة لدرجة تؤرقني، حتى عدلت عنه فجأة. لماذا؟ لأنني رأيت منشورًا على فيسبوك يتحدث عن فكرة تعجل الإنسان في اتخاذ قرارات حياته وعدم رضاه عن حياته وكيف تجعله يعيش حياة بائسة ويندم. لمسنى الكلام وشعرت بأنها رسالة. مِن مَن؟ أرجو ألا يسألني أحد هذا السؤال لأني لا أعرف.
هذه القصة لتوضيح الفكرة فقط. أنا أصلًا شخص لا يؤمن بالإشارات والرسائل وهذا الكلام، ولكن هذا لا يمنع أنها تنطبق على الكثيريييين.
الكثير يؤمنون بأن الكون يتواصل معهم عن طريق الإشارات، وكأن الكون يمتلك شبكة اتصالات يبث من خلالها لنا رسائله. لماذا قد يفعل ذلك؟ في الحقيقة أرى أنه حتى لو عمل الأمر مرة ومرتين ونجح موضوع الإشارات هذا، فهذا محض صدفة لا أكثر. أُفضّل أن يوجهني في حياتي قلبي وعقلي، قلبي حين يخبرني بارتياحي للأمر من عدم ارتياحي له، وعقلي حين يبحث في الدروب المنطقية. لا إشارات ولا رسائل.
بعض الأشخاص على الجانب الآخر لا يتخذون قراراتهم الهامة في الحياة إلا بعد استشارة أهل الخبرة والعلم.
فماذا عنك؟ ما هي الطقوس المصاحبة لاتخاذ القرارات لديك؟ هل تعتمد على العلامات والإشارات؟
السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والصلاة على رسول الله، وبعد
جوابا على سؤالك، من المنطقي أن أول شيء يؤثر في عملية "إتخاذ القرار" هي شخصيتنا حتما. وذلك يجمع كل العناصر التي تكوّن الشخصية (الهو والأنا والأنا الأعلى، بكل أبعادها المعلومة أو غير المعلومة سواء الفطرية أو اللذة أو البعد الأخلاقي أو الإجتماعي إلخ). وقد تلعب عوامل أخرى دورا في اتخاذنا للقرار كالإعلام أو وسائل التواصل مثلا، كما سبق وذكر بعض الأعضاء في ردود أخرى. في حين أعتقد أنّ الأجدر هو تناول الأمور بموضوعية وإعتبار كل قرار تتخذه في حياتك هو شئنا مستقلا بحد ذاته، له نتائج مؤثرة على حياتك هذا مما لا شك فيه، ولكن لا يعني أن تعلّقي مسألة بأخرى أو فشلا في مسألة قديمة كسبب يمنعك من المحاولة من جديد. فالفشل في مرحلة ما لا يعني نهاية الطريق. ثمّ إعمال العقل بكل مهنية وحيادية دون ترك مجال للمشاعر لتؤثر في إتخاذ القرار. وفي الحقيقة هناك حيلة أقوم بها لإتخاذ خطواتي القادمة في الحياة وهي ببساطة :
أتخيل أنّ هناك شخص غيري، واقع في نفس المعضلة، وعليه أن يتخذ نفس القرار، فجاء يسألني النصيحة. فهنا أسأل نفسي ماذا كنت أنصحه؟ محاولا أن أجيبه بكل مصداقية. فلو مثلا كنت أعتزم أن أختار توجّها دراسيا معيّنا وكنت متخوّفا من عدم قدرتي على مجارات مستوى هذا الإختصاص. بكل عقلانية أسأل هل أستطيع أن ألزم نفسي على تطوير ذاتي ومجارات وتيرة دروس هذا الإختصاص؟ ببساطة إذا ترددت في الإجابة، فهذا يعني أنّ الإرادة معدومة، فالأفضل أن أتجنب إذا إختيار الإختصاص. ودائما وجود النيّة الصادقة مع الإستعانة بالله يهونان أيّ عسير في الحياة.
بخصوص موضوع الإشارات والعلامات، فالرسول كان يعلمنا الإستخارة فيقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة إلى آخره … فإذا أصاب الأمر وإستراح إليه فهذه "إشارة" أنّ فيه خير، وإذا لم يصبه فعسى أن يكون شرا، وليحمد الله في الحالتين.
أتخيل أنّ هناك شخص غيري، واقع في نفس المعضلة
أي انك تتحايل على عقلك بهذه الطريقة ليُجنب كل المؤثرات العاطفية والقلق والخوف ويتصرف كما لو كان سيتخذ القرار عن شخص آخر. حيلة ذكية وأكاد أجزم بنجاحها. لقد ثبت أن عقولنا ليست لها مقدرة كبيرة على التمييز بين الحقيقة والخيال.
بخصوص موضوع الإشارات والعلامات، فالرسول كان يعلمنا الإستخارة فيقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة إلى آخره … فإذا أصاب الأمر وإستراح إليه فهذه "إشارة" أنّ فيه خير
حينها أنت تتبع ارتياح قلبك للأمر، وتتصرف على أساس ذلك، فالاستخارة لا أدخلها في بند الإشارات بصراحة. وإنما هي استفتاء للقلب أكثر منها انتظار علامة.
التعليقات