إن طال بك الزمان

إن طال بك الزمان وعشت عمراً مديداً هل تفضل العودة للوراء حيثُ القليل من التطور والكثير من البساطة والمحبة ، أم أنك تفضل التطور بكل أشكاله وتعتبر القديم قد عفا عليه التراب ؟

وهل ترى أن الحداثة تسلبنا أشياء قيمة كانت موجودة بداخلنا قديماً وشهامة ومرؤة بلا مقابل ؟

أم أن الحداثة والتطور قد طورا من شخصياتنا إلى الأفضل وأظهر مهارات لم نكن نعلمها بأنفسنا ؟

قد حسمت أمرى ورغم كل التطور والتسارع في العصر الحالى ، فإنى أتوق إلى لمسة جمال وبساطة الماضى ، أتوق إلى أتنفس لمسة رحمة كانت في نفوس الناس قديماً ، أتوق إلى بركة العيش ، ألتمس حب الخير للغير الذى كان في الماضى، أتمنى رؤية رابطة إجتماعية قوية كما كان في الماضى تأخذ بيد الصالح وتشد على يد المخطئ .

طال بي الزمان وأختار الماضى لأفضليته الخيرية فماذا تختار أنت ؟


التعليق السابق
AhmedAli2023 أضف ردا

قد يكون رأيك صحيحاً أستاذ ضياء إلا أن شيئاً مهماً يعوقه وهو أن الحاضر هو نتاج الماضى ، وكما درست في إحدى الكتب الأمريكية في مجال المحاسبة الإدارية وتطويرها لتتناسب مع طلبات المستثمرين لتقديم معلومات جيدة تتعلق بالإفصاح عن معلومات الشركات التى تهم هؤلاء المستثمرين .

قالوا شيئاً جميلاً جداً في هذا الكتاب وهو أن بذور الماضى هي أشجار المستقبل ، فكيف تفصلنى عن ماضى هو متأصل ومتجذر في عروقى ، أو تفصل التاريخ عن دمائنا.

في حديثى مع الشوام قلت لهم لماذا تسمونها شآم الياسمين قالوا هى أندلسنا حتى وإن كنا قد بعدنا عنها فهى تسرى في دمائنا وحياتنا ، وسنكون شاماً في أى أرض حللنا ، نعم كانت ماضى ولكن الماضى هو أشجار الحاضر .

إذا فلماذا لا تسمح لأرواحنا للعودة للماضى لتصحيح أخطاء كانت موجودة لتصحيح الحاضر .

ولماذا لا تسمح لأرواحنا بالعودة للماضى لرؤية ما هو جميل لتجميل لحظة حاضرنا .

إن كان التاريخ يفصل عن البشر كما تقول أستاذ ضياء فلماذا لم ينفصل الشوام عن أندلسهم حين غادروها وأصبحت ماضى وهل هم فاشلين بالعودة فكرياً لجمال لحظتهم قديماً وجمال تراثهم .

أو أكون فاشلاً حينما أتذكر جمال ماضى عشته بالفعل كان كل شئ بسيطاً وجميلاً وعلى الفطرة .

أو أكون فاشلاً حينما أستنكر واستهجن أشياء تحصل في الحاضر تنكرها الفطرة السوية .

الفشل هو القبول استاذ ضياء والتعايش دون أن تنتفض روحك فتقول هذا أخلاقياً لا يتناسب مع تراثى وقيمى ، وليست تعنى الحداثة أن كل مطروحها جميل ومقبول .

بحديثك عن دمشق تعيد لي أيام حلوة كثيرة في الماضي، أنا من الشام، من دمشق. ولكن ما قصدته ليس أن لا ننظر إلى تلك الأيام نظرة المحب، نظرة تذكّر جميلة لكل ما عشناه، ما أكرهه أن يتحوّل هذا الحب إلى حنين يطرد لك كل فرصة للتعامل مع الحاضر الآن، فترى نفسك غير قادر على التحرّك إلا ضمن شروط محكومة بالماضي أو بمواقع يصعب عليك الوصول لها، بهذا تُفشِل الحاضر وتضيّع المستقبل من أجل ماضي قد فات، وبالمناسبة، هذه حال كثير من السوريين الذين سافروا مثلي، طغى الحنين على حياتهم فجعلهم منفصلين عن كل واقع يعيشونه، لا يستطيعون استرجاع ما فات ولا التعامل مع الحاصل.

بالطبع أنا لم أتكلم عن ذلك الحنين بلا عودة شئ غير مقبول تماماً لأن ذلك سيدمر الشخص تماماً ولكن النظر للماضى وإسقاط جماله وقيمه على الحاضر .

أو النظر للماضى وتصحيح أوضاع فكرية خاطئة للوصول لجمال المستقبل .

لكن أن يعيش الإنسان الحداثة والتطور دون وجود أى جذور تربطه بالماضى فهذا قمة الخطأ ، وأتذكر في ذلك تجربة الأفيال في الهند حينما كانت تضايق الأهالى فقاموا بفصل الأباء والأمهات في محميات طبيعية واستبقوا الأطفال ، فنشأ جيل أكثر عدوانية لا يراعى الأهالى ويأكل ممتلكاتهم ويتهجم عليهم بشراسة ، والواقع الذى غفلوا عنهم أن الأباء والأمهات للفيلة الذين يحملون التراث في التعامل مع البشر طبقاً للمنهجية المتوارثة كانوا يمنعون صغارهم من التعدى على البشر .

والآن يقوم التطور غير المسبوق بفصل البشر عن كل ما هو جميل وهذا أمر غير مقبول حيث أصبح الأغلب بلا مرجعية فكرية أو تراث متأصل يتم محاسبته عليه حين خطأه كما حدث مع الأفيال الصغار تماماً ، فإذا واجهته بخطأه تجد شخصاً ناعقاً بلا فهم أو مرجعية يواجهك ولاعجب فهو قد ترك تراثه وقيمه تعفو عليها المادية، ليتغنى متعالياً بقيمه المادية ، والحقيقة أنه لولا الماضى لما كان الحاضر .

والواقع أيضاً يقول أن الأباء الأقوياء يسعون لخلق ظروف سهلة لعيش أولادهم على عكس ظروف حياتهم السابقة وهذا يخلق جيل ضعيفاً ، والجيل الضعيف يخلق ظروفاً صعبة لأولاده .

والتوازن في الأمر هو خير وسيلة ، وأن يكون الإنسان هو الحكم بين الماضى والحاضر ، فيختار رداءه وسطاً بينهم كما يختار عطره تماماً .

أحب أن أذكّر هنا أيضاً بأنّ الإنسان قديماً أيضاً حرص على التغنّي بمادياته البحتة، حيث روّج كثيراً لمسألة القلاع والأسلحة سواء للحرب أو للصيد ولاستكشاف النار، ولقدراته الزراعية، ما أريد الوصول إليه، بأنّهُ ألا تعتقد معي حضرتك أنّ حتى الإنسان في الماضي كان يقوم بهذا الأمر؟ أي أنّ حتى هو كان همّه منصباً على مسائل مادية بحتة وكان حنينه مرتبطاً بها جداً؟