مرحبًا يا أصدقاء الشِّعر!

أطلنا عن الجلسة ولم ننقطع عن الشعر، وهل يعقل ذلك؟

لا أنفكّ أذكر مدى جاذبية الشعر، وكيف يبدو أحيانًا كمهربٍ ومتنفس مثالي لمن يلجأ إليه، والحقّ أقول، فقد وجب عليّ التنويه، بأن الشعر بمقدوره جرّك إلى حد الثمالة، واسأل مجرب يا صديق!

هذه المساهمة انطلقت شرارة إلهامي بها من تعليق الصديقة @raghd_agaafar على مساهمة قديمة لي تحمل أبياتًا خالدة للشاعر ابن زيدون، والتي سحرتني وقتها فأوقعتني في شباك الإدمان، ويبدو أننا اليوم نرى فريسة جديدة لسحر هذه الأبيات، فك الله أسرك صديقتنا رغدة!

في مرات عديدة، كنت أنا من أطارد القصيدة الفاتنة، ولكن في بضع أحايين، كانت القصيدة هي من تلاحقني، ألم يحدث يومًا، أن مررت ببيت شعري في مكان ما في فضاءات الإنترنت، فاتّخذكَ أسيرًا له حتى أنه ليزال أثر صداه يتردد في جوف عقلك؟ وتلك الصدفة لم تكن سوى طريقة شقّ بها شاعر -ربما يكون قد فات على انقضاء أجله مئات السنين- طريقه إليك، مولِّدًا صداقة أثيرية بينكما، وسلوى ربما جاءت في لحظتها تمامًا، وكأنه يقول لك "أنا أكتب عنك أنت"، وهذا تحديدًا جلّ ما يسحرني في الشعر، فكيف أراني بكل دقة في أبيات أنشَدها أحدهم في زمن ما ومكان ما، وهو لا يعرف بوجودي حتى!

وبما أنني ارتأيت أن أجعل جلسة اليوم حُرّة لا تتبع ثيمة محددة، وأشارك فيها آخر ما أسرني من أشعار وقصائد، ثم سأفسح المجال لكم لتشاركوني أنتم أيضًا آخر الأبيات التي علقت في أذهانكم وما يزال صداها يتردد في آذانكم.

الإفتتاحية بكل تأكيد ستكون مع بيت شعري أحكم وثاقه عليّ، لأمير الشعراء شوقي، لدرجة أنني ثبتّه على إحدى ملفاتي الشخصية في مواقع التواصل الإجتماعي، والبيت من قصيدة "أريد سلوكم والقلب يأبى":

أُحِبُّكَ حين تثني الجيدَ تِيهاً
وأَخشى أَن يصيرَ التِّيهُ دَأْبا

القصيدة بأكملها بديعة، ولكن لأصدقكم القول فقد كان الشطر الثاني من هذا البيت بمثابة أعجوبة بالنسبة لي، لأنه اختصر شعورًا ومرحلة وجمعٌ من النصوص التي كتبتها في خمس كلمات فقط.. أهي دعابة؟!

ومع استمرار عمليات الهروب من المسؤوليات إلى الشِّعر، وقعت في حب قصيدة جديدة تُجاوز أبياتها الثلاثمائة بيت كل واحد منها يحتفظ بجماله الخاص، وهي قصيدة "سلوا النار عمّا شبّ بين الأضالع" للشاعر شهاب الدين الخلوف أقتبس منها:

أخذتم فؤادي واطرحتم بقيّتي
فما ضركم أن لو أخذتم مجامعي
وقد أهلكت نفسي الأماني وأيتمم
بنيات طرفي واسترقت مطامعي
ولما حجبتم عن عيوني شهدتكم
بعين فؤادي في ذوات مسامعي

إذا خطر ببالكم تساؤلٌ ما، فأطمئنكم، بالتأكيد لن أفعلها وأمرر الجلسة بدون أن أقتبس من روائع المتنبي، فهو بحد ذاته معجزة شعرية تستدعي الإنبهار في كل مرة، وهذه المرة أقتبس منه تساؤلًا يملؤه العتب:

ما لي أراني منكَ تحتَ سحابَةٍ
ظمآن أستسقي وأنتَ مَطيرُ

وأخيرًا حتى لا نطيل، وكي لا أبخس شعراء عصرنا حقهم، أشارككم أبياتًا مرّت عليّ وأبَت أن تظلّ مجرد كلمات عابرة، وهنا لابد أن أقتبس من حذيفة العرجي وأتخيّر من حُسنى أشعاره:

واحترتُ فيكَ.. أغيب أم أبقى؟
في الحالتينِ، حرقتني حرقا
ويلومني عقلي فأهجرُهُ
أهل الهوى عُقلاؤهم حمقى..

وأبيات أخرى لعبدالله زمزم، يقول فيها:

لا تنتظرْ أحدًا على الشُّرفاتِ
فجميعُهم قد بدَّلوا الطُّرقاتِ
النَّاسُ ترمينا بكلّ متاهةٍ
واللهُ يُخرجُنا من الظُّلماتِ!

والآن المساحة لكم، أطربوا جلستنا بأبياتٍ فاتنة لا تغادر أذهانكم، ليلة سعيدة!