القهوة والشاي في أشعار العرب .. لمن الفوز ؟ وأيهما تفضل؟

إن أجمل لحظات اليوم هي تلك التي نفتتحها بكوب قهوة .. لا بل شاي !

المشروبان الأعلى شعبية على مستوى العالم، وفي مجتمعاتنا الشرقية والعربية بالتحديد، يرافقاننا في شتى المناسبات من مراسم الخطوبة إلى اجتماعات العائلة عصرًا، ينحدران من عائلة الكافيين صديقة الإنسان وعدوته في آن واحد، قد يترافقان معاً في جلسة واحدة فكيف تحوّلا فجأة إلى غريمين، وما سرّ المقارنات المستمرة بين أنصار الشاي وعشّاق القهوة ؟

لنسأل الشعر عن هذين المشروبين لعله يفيدنا، لنرى مثلاً ماذا قال بعض فضلاء أهل مكة عن الشاي :

وشربك للشاهي يزيدك بهجة
إذا كان مع صحب و في وسطهم جلوا
ودع كل مشروب سواه و مل له
إذا كان متقوناً و في جوفه الحلوا

إذاً المنافسة بين المشروبين لها وجود حتى في الشعر ! لنبحث عن رد شافٍ ينتصر لفريق القهوة، على لسان الفضلاء قيل عن قهوة البن :

رب سوداء في الكؤوس تبدت
تهب الروح نفحة في الحياة
فإذا ذقتها تحققت فيها
ان ماء الحياة في الظلمات

يا لجمال ذلك !

تاريخياً، تمتلك القهوة تاريخاً أكثر صخباً من الشاي، أما أدبياً فللإثنين معًا مكانة كبيرة بين رواد الأدب فعدد كبير من الشعراء والكُتاب قد تغزلوا بالقهوة وأقروا بحضورها في كتاباتهم، وللشاي نصيب أيضاً وإن لم يكن كالقهوة في الأدب المعاصر على وجه التحديد .

المقارنات بينهما لا تنقطع، وتأخذ منحىً طريفاً في بعض الأحيان على هيئة مشاكسات بين جمهور الطرفين، ولكن تبقى مكانتهما في الثقافة العالمية والعربية بالتحديد رفيعة ولا يستهان بها، على أي حال أشيركم إلى الكتاب الذي اقتبست منه تلك الأبيات "أدبيات الشاي والقهوة والدخان" الذي يزخر بالشاي والقهوة ووجودهما في الأدب، كما أختم بسؤال لابد منه : أنت من حزب الشاي أم حزب القهوة ؟


عودة محمودة تقوى، اشتقنا لك !

سأبدأ من آخر المساهمة و أجيب على السؤال، أنا من أنصار الشاي بالتأكيد، ربما هذا راجع بالأحرى لكون الشاي له شعبية كبيرة للغاية هنا في المغرب، حتى أن هنالك تمثال ضخم لإبريق الشاي التقليدي لدينا، لا أذكر المنطقة. أحبه لدرجة أن أمي عندما أرادت شراء هدية لي اشترت إبريق شاي صغير. حسنا لا يمكن أن يمضي يوم دون أن أشرب فيه شايا بالنعناع تعده جدتي. لذا الشاي هنا عمق من التاريخ و التقاليد، و تعبير عن كرم الضيافة. فحلاوة الشاي و قيمته ليست فقط في مذاقه بل أيضا في إبريقه و كؤوسه و صينيته. أنقل لك شعرا للمغربي للمكي الرباطي عن الشاي (أو كما نسميه آتاي):

بالله أبد جواب من يناجيكا * وطوقنه جمانا من لآليكا
فهل رأيت مدى الحياة في طرب * شربا كشرب أتاي عز ناديكا
الراح يسأم والأتاي إلفك لن * تراه إلا صديقا لا يعاديكا
عبير عرف بخستم المسك طاب له * لسان حال إلى الإجلال داعيكا
كفى الأتاي علا على الطلاء بأن * ما فيه غول وأن الراح ينسيكا

و هذا آخر لسليمان الحوات:

دعوا شربكم للخمر فالخمر مسكر * وفي الشرع كل المسكرات حرامُ
وهيموا بشربكم أتاي فإنه * حلال وليس في الحلال ملامُ
وكونوا عليه مدمنين لأنه * شفاء النفوس إن عراها سقامُ
يثير نشاطا يبسط اليد بالندى * فمن ثم كل شاربيه كرامُ
ويكشف غم النفس سرا وجهرة * ويوقظ جفن الإنس حين ينامُ
ويكسو الوجوه حمرة ونعومة * كأن بها وردا سقاه غمامُ
ويصقل جوهر العقول لطافة * فيكشف عنها في الفهوم ظلامُ
ويدفع نتن الأنف والفم دائما * فطابت به ذات وطاب كلامُ
ويمنع من حر الظما ويدر ما * من البول في احتباسه لك سامُ
ولو أن في الأمعاء ريحا تعقدت * يحللها بالطبع حيث يرامُ
وأفعاله في الهضم حدث بها ولا * تخف لومة اللوام فهي عظامُ
يوافق جملة الطباع ملطخا * بتعديله فكان فيه قوامُ
فآن شئت فاصطبح وان شئت فاغتبق * به فله في الحالتين نظامُ
إلى غير هذا من منافع جربت * وقال بها في السالبين إمامُ
وآدابه شتى ويزداد حسنه * إذا رق ندمان ورقت جامُ
هو النعمة الكبرى على كل شارب * وإكسيره لا قهوة ومدامُ
ومذهبنا أن لا يشاب بغيره * سوى العنبر الشحري فهو ختامُ

كما أتركك مع صورة تظهر إبريق الشاي التقليدي مع كأس البلار:

لكن هذا لايمنع أن القهوة لها شعبيتها هنا أيضا خاصة بين الرجال. كما أن القهوى في الأدب خاصة الشرقي أكثر شاعرية و انتشارا. شخصيا، لا أحب القهوة، لكن ربما لو جربت نوعا آخر فسأحبها. لكني لن أخون الشاي. على أي، أفضل الحليب مع بضع قطرات من القهوة على كل هذا.

في النهاية، هي قصة أذواق ليس إلا، و كل أين يرتاح و أين يجد الشاعرية و الجمال.

طلة بهية منكِ يا فردوس، لقد متعتِني بالأبيات التي ضمنتِها في تعليقك .

لدي أصدقاء من المغرب وكم هو مثير للإعجاب ارتباطهم بهذا المشروب الطيب "الأتاي"، فقد جربت الأتاي بالنعناع بالطريقة التقليدية ولا أخفي إعجابي به وبخفته ولذته .

ذكرتي نقطة رائعة وهي ما يترافق مع المشروب نفسه من إناء وأباريق مخصوصة تجعله مميز بعيون شعب بعينه، وهذا ما يوجد لدينا مثله في السودان مع القهوة السودانية والتي نسميها محلياً "الجَبَنة" والتي تبدأ رحلتها من طريقة إعدادها المميزة وصولاً إلى الإبريق الفخاري الفريد وطريقة التقديم المميزة التي غالباً ما تترافق مع البخور والقليل من الفشار، وكل ذلك كفيل بأن يصنع منا شعب محب للقهوة .

مع هذه الصورة، من حقك أن تعشقي القهوة. بصراحة لا أعرف الكثير عن ثقافة السودان غير أن شعبها طيب مضياف، فشكرا لتقريبي لها أكثر. للأسف، تألمت بعد سماع خبر الحرب الأهلية فيها، و كات أول من تذكرت حين سمعت السودان أنت، أعانها الله.

أشكرك على مشاعرك الطيبة فردوس، وأدعو الله أن يعمّ الأمان البلاد من جديد وأن يتسنى لكِ يوماً زيارتها وتجربة الجَبَنة التي نحبها .