لماذا نُحبُّ الماضي..؟

Sidi4117

وكَيفَ اِلتِذاذي بِالأَصائِلِ وَالضُحى إِذا لَم يَعُد ذاكَ النَسيمُ الَّذي هَبّا

ذَكَرتُ بِهِ وَصلاً كَأَن لَم أَفُز بِهِ وَعَيشاً كَأَنّي كُنتُ أَقطَعُهُ وَثبا

وَفَتّانَةَ العَينَينِ قَتّالَةَ الهَوى إِذا نَفَحَت شَيخاً رَوائِحُها شَبّا

يُصوِّرُ لنا المتنبي في هذه الأبيات تأثُّره بالذكرياتِ القديمة، وحنينَه إلى أزمنةٍ مضتْ، كانت مراتِع اللذات. وهو يتساءلُ إن كانَ بإمكانه التذاذٌ بأي شيءٍ إلا تلك الذكريات وتَردادُها في النَّفس.

لكن اللافت في الأمر أن الشاعر ليس في حالةٍ مزرية، ولا يتعرَّضُ لأي أذى، هو فقط يُصوَّرُ أن تلك الأزمنة القديمة كانت أجمل، فهل الماضي أجمل دائما..؟

ينطلق بعضُ الناس مِن مبدأٍ بسيط هو أنه ليس بالإمكان أن يأتي أحسنُ ممَّا كان، ويكفي عندهم من التبرير لذلك تعلُّقهم بالذكريات، وحبُّهم لها. غير أن رأياً آخر يفترضُ أننا -نحن البشر- مركَّبونَ على حبِّ الماضي؛ لأن ذاكرتَنا تحتفظُ بالمواقفِ مصحوبةً بسياقاتِها المختلفة، وهو ما يجعلُها أكثر كثافةً وجمالاً. ولعلَّ (محمود درويش) أحسن التعبير عن ذلك حين قال: "ولم أكن ولداً سعيدا كي أقول الأمس أجمل دائما، لكنَّ لٍلذِّكرى يديْن خففَتيْنِ تُهَيِّجانِ الأرضَ بالحمَّى..".

فما ترونَ في سحريَّةِ الماضي هذه؟


أرى رؤيتنا لسحريّة الماضي جزءاً من ضعفنا البشريّ اللازم لوجودنا المحدود، وأرى محاولات عقلنة النوستالجيا وأزمات الطفولة وأفراح المراهقة كثيراً ما تبالغ في طرحها. وأرى أنّ ماضينا الفردي خاص لأبعد درجة، فإطباق معيار موضوعيّ واحد على جميع المواضي لا يكون.

لا شكَّ أنَّه يجري تضخيم الموضوع غالباً حين يُنَظَّرُ له على أنَّه نوستالجيا، ولكن الفكرة التي أشرتُ لها لا تُعنى بتعميم تجربة "المواضي"، بقدر ما تبحث عن السبب وراءَ ذلك الحنين أياً كان الماضي الذي يتصل به.