"ذهبت إلى داره أقول لكِ، إلى ذلك القصر المنيف. و حين قرعت الباب من طلع إليّ برأيكِ؟ ليس الخادمة و لا زوجته و لا إبنة من بناته و لا إبن من أبنائه. طلع إليّ هو بنفسه، بِلبسه الغريب ذاك. قميص مخطط أبيض و أسود خطوطا عموديّة و القميص مجعول داخل بنطاله، و بنطال أسود و حذاء. أمّا وجهه فلست قادرا على تذكّر شكله كما أنني ما نظرت فيه مباشرة إلّا بكثير تردد حيث كان بصري موجها غالبا يمنة الرجل و يسرته أو في جسده و نحو ذلك. و لكن رغم أنني لم أتطلع بما يكفي إلى وجهه إلاّ أنني أجزم طبعا كون وجهه كان مضحكا. بل كأنه كان يضع مساحيق تجميل رغم أنه لم يكن يضع أيا منها و الحقيقة هي أنّ وجهه كان متعرقا، وجهه فقط من دون سائر جسده. لم يكن يرتدي حذاءا الآن تذكرت و إنما كانت جواربا سوداء."
كانت المرأة زوجته كأنها تريد أن تتكلم بدورها و أن تطرح بعض الأسئلة و بعض الإعتراضات و الإستطرادات غير أنها لم تفعل، لم تجد فسحة من الصمت في كلام زوجها. و كانت تستمع إليه و هي تتطلع إليه دانية منه، كفاها على خدودها منحنية تجاهه بمرفقيها على الطاولة، أو على ركبتيها.
"لم أطلب منه المساعدة" أضاف الرّجل "قلت له لديّ مشكلة، مشكلة كبيرة و عويصة و أريد منك أن تساعدني في حلّها، لأنّها أكبر مما تتصوّر و إنّ زوجتي لفي إنتظاري، زوجتي المصون الوفيّة و التي لا ترى في العالم غيري أنا، غيري أنا زوجها. و هي تحبني، و هي وفيّة لي.. غير أنّ المشكلة يا سيدي كبيرة جدا و عويصة بل إنها تسبب لي أشدّ التباريح في معدتي و خلف أضلعي. إنّ قلبي لأشفقَ بها و لكأنّه قد ديس عليه بها و لكأنّ نفس روحي قد ضاق بها و مرضت بها روحي و صارت عليلة سقيمة لا ترجو شفاء. يا سيدي أقول لك فقط أخبرني، دلّ مسكينين مثلنا بتلك الكلمات. فقط دلنا و أخبرنا ماذا فعلت و كيف فعلت ما فعلته و أين في نهاية المطاف وجدتها. إنهم يا سيدي يتحاكون بقصّتك. بل و أضيف يا سيدي، إنهم يكرهونك، بل و أنا أيضا قد كنت أكرهك أي مثلهم تماما، لقد دسّوا في رأسي وسوساتهم تلك، أنت تعرف سكان هذه القرية و ماذا يتحاكون في خماراتهم النتنة، بل و أنت نفسك قد ترعرعت بيننا و لا أزال أتذكر خيالك سنّ شبابك و لو أنني عندها لم أكن أعرف إسمك الذي يدعونك به. يا سيدي إنّ زوجتي قد شجعتني و حثتني إليك فأزمعت و جئت مسرعا، من دون تفكير يُذكر."
كاد الرجل ربّ البيت أن يتكلّم.
أضاف الرّجل:"أخبرنا بماذا فعلت و ماذا قلت و أين وجدت ما وجدت. هل لديك خريطة تدلّ إلى المكان. و لكن قد قيل لنا أنّ ذلك المكان لا يُستدلّ إلى موقعه بخريطة مرسومة. ماذا إذن؟ ماذا أيضا؟ و كيف؟ فقط أرجوك يا سيّدي و لا تبخل عنّا."
حان وقت ربّ المنزل ليتكلّم، قال:
"يا سيّد مرحبا بك، هل تريد أن تنظمّ إلينا إلى تناول العشاء هذه الليلة، تركتهم يحضرون الطاولة، تعال إنظمّ إلينا و أحضر زوجتك معك أيضا."
"و لكن يا سيدي إنما أتيتك بصراحة تامة و كل شفافية و بكلام مباشر و بلا مواربة أن أوتي سُؤلي لأنني سقيم و بيتي مريض و زوجتي.. زوجتي تلك بها خطب ما، إنني أخافها و أخشى منها، ربما هي لا تحبني، و لكن مالذي أبقاها معي كل هذه المدّة؟ و إبنتنا ألم تُتوفّى؟ فماذا أبقاها عندي كلّ هذه المدّة؟ الفقر نهش حتى الجدران الداخلية للبيت و ما إنفكّ تضيق مساحته علينا أكثر فأكثر بإلغاء أجزاء منه تكلّفنا من معيشتنا. ثيابنا أسمال، و مأكلنا مرّ لا طعم فيه.. يا سيدي لا أريد عشاءا، أريد أن أسمع منك ما قد جئت من أجل سماعه."
ردّ عليه ربّ المنزل:
"أنظر إلى نجوم السماء يا صديقي، كم هي بعيدة و جميلة."
"نعم، أنا أراها، و ماذا أيضا؟ ماذا أيضا؟ ماذا تريد؟ سأخرج سكينا من ها هنا. ها أنا أهددك الآن، ألست خائفا؟ هيا تكلم و أجب سُؤلي، سأطرحك قتيلا على عتبة دارك."
تراجع رب المنزل الغريب إلى الوراء خطوة و أغلق الباب. ليلتها لم يعد الرجل المسكين إلى زوجته و إنما نام كسكّير مخمور على جانب الطريق كما بلل أيضا بنطاله.
أمّا زوجته فقد إستشعرت خطبا في تلك الليلة من عندها و شعرت كأنّ الدنيا إنتفت و العالم إنتهى و لم يعد هنالك من شيئ لعيشه أو إنتظاره. قطّعت ثوبها و خرجت إلى النواحي المظلمة من القرية حيث خماراتها و كلّ خسيس فيها و أصبحت عاهرة، بل و عاهرة مرغوب جدا فيها فهي "زوجة فلان" و كيف أصبحت بعد أن قد كانت زوجة عاقلة وفية.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش