-1

قصة قصيرة:ثمن المعرفة المطلقةو رحلة السنة الأخيرة.

في إحدى الممالك بأوروبا في القرون الوسطى، كان هناك شخص مثقف يُدعى روبن. كان يذهب كل يوم إلى المكتبة من الصباح حتى المساء، يقضي يومه بين رفوف الكتب، يقرأ بنهمٍ لا يعرف الملل. وذات يوم أدرك أنه قد انتهى من قراءة جميع كتب المكتبة، فتوجه إلى صاحبها وقال:

روبن: هل وصلت كتب جديدة؟ أريد أن أقرأ المزيد.

صاحب المكتبة: لقد قرأت جميع الكتب الموجودة هنا يا روبن.

فصرخ روبن في دهشة:

روبن: ماذا سأقرأ الآن؟ لقد انتهيت من كل الكتب!

فقال له صاحب المكتبة:

صاحب المكتبة: أراك تأتي كل يوم من الصباح إلى المساء، تقرأ بلا انقطاع. فما غايتك من قراءة كل هذه الكتب؟

روبن: غايتي أن أمتلك جميع المعارف التي توصل إليها البشر في مختلف العلوم والمجالات.

ابتسم صاحب المكتبة وقال:

صاحب المكتبة: هذا أمرٌ مستحيل.

فأجابه روبن بثقة:

روبن: لا يوجد مستحيل ما دامت الإرادة موجودة.

ثم قال صاحب المكتبة:

صاحب المكتبة: والآن بعد أن قرأت كل ما لدينا، لِمَ لا تبدأ في نشر ما تعلمته بين الناس؟

فرد روبن:

روبن: لن أنشر معرفتي إلا عندما أمتلك جميع معارف البشرية، وأصبح أعلم إنسان في العالم.

هز صاحب المكتبة رأسه وقال:

صاحب المكتبة: انتظر هنا قليلًا، هناك من يريدني.

وبينما كان روبن يتجول في المكتبة، وقع بصره على كتاب قديم موضوع فوق طاولة. فتحه بدافع الفضول، فوجد فيه أسطورة تتحدث عن ملاك يعيش في جبل يقع في أقصى الشمال، يحقق أمنية لكل من يصل إليه، لكن مقابل ثمن لا بد أن يدفعه صاحب الأمنية.

ما إن انتهى من القراءة حتى غادر المكتبة، وجهز أمتعته، وانطلق في رحلة طويلة نحو الجبل. وخلال الطريق واجه أخطارًا كثيرة؛ هاجمته الحيوانات المفترسة، وعبر مناطق بركانية، وكاد يهلك بسبب انهيارات جليدية، لكنه واصل رحلته حتى وصل إلى الجبل.

دخل كهفًا في قلب الجبل، ثم نادى بصوت مرتفع:

روبن: هل يوجد أحد هنا؟ أيها الملاك!

وفجأة ظهر أمامه كائن له جناحان، نصفه أبيض ونصفه الآخر أسود، ويرتدي ملابس غريبة.

قال الملاك:

الملاك: أهلًا بك أيها البشري. ما اسمك؟

روبن: اسمي روبن.

الملاك: ولماذا جئت إلى هنا يا روبن؟

روبن: جئت لأحقق أمنية.

فقال الملاك محذرًا:

الملاك: احذر من الأمنيات، فكل أمنية لها ثمن، وقد لا تستطيع تحمل عواقبه.

لكن روبن لم يلتفت إلى التحذير، وأصر على طلبه.

تنهد الملاك وقال:

الملاك: لقد حذرتك. والآن سأقرأ روحك لأعرف الأمنية التي تسكن أعماقك.

وفجأة أضاءت عينا الملاك بضوء شديد، حتى أغمي على روبن من شدة الوهج.

ولما أفاق، شعر أن عقله قد امتلأ بمعارف لا حصر لها، وكأن علوم البشر كلها قد استقرت في ذهنه، وأدرك أنه أصبح أعلم إنسان على وجه الأرض.

وقبل أن يغادر، سمع صوت الملاك يقول:

الملاك: لا تنسَ يا روبن... لقد حذرتك.

غادر روبن الجبل وعاد إلى مدينته، ثم توجه مباشرة إلى صاحب المكتبة.

فلما رآه صاحب المكتبة قال:

صاحب المكتبة: مرحبًا بعودتك يا روبن. أراك مختلفًا... ماذا حدث؟

فأجابه روبن بابتسامة:

روبن: لقد تحققت أمنيتي. أصبحت أعرف ما لم يعرفه أحد، وكأن جميع علوم البشر قد اجتمعت في عقلي.

قال صاحب المكتبة بدهشة:

صاحب المكتبة: وهل وجدت ما كنت تبحث عنه؟

روبن: نعم، لقد أصبحت أعلم إنسان على وجه الأرض.

وبينما كان يتحدث، شعر بألم شديد في صدره، ثم ترنح وكاد يسقط.

صاحب المكتبة: ما بك يا روبن؟

روبن: لا أعلم... أشعر أن جسدي ينهار.

فأسرع صاحب المكتبة باستدعاء الطبيب. وبعد أن فحصه الطبيب، قال بأسف:

الطبيب: يؤسفني أن أخبرك بهذا، لكنك مصاب بمرض لا علاج له، ولم يبقَ لك من العمر سوى سنة واحدة.

ساد الصمت، وأدرك روبن الحقيقة، ثم قال بصوت حزين:

روبن: سنة واحدة فقط... إذن هذا هو الثمن الذي حذرني منه الملاك.

وبعد أن غادر الطبيب، جلس روبن غارقًا في الحزن.

فقال له صاحب المكتبة:

صاحب المكتبة: أتتذكر ما قلته لك قبل رحلتك؟

رفع روبن رأسه وقال:

روبن: تقصد أن أنشر معرفتي بين الناس؟

صاحب المكتبة: نعم. إن احتفظت بهذا العلم حتى تموت، فسيموت معك. أما إذا كتبته وعلمته للناس، فسيبقى حيًا بعد رحيلك.

ظل روبن صامتًا لحظات، ثم قال:

روبن: لقد كنت محقًا منذ البداية. لم تكن قيمة المعرفة في امتلاكها، بل في نفع الآخرين بها.

ومنذ ذلك اليوم، قسم وقته؛ فكان يقضي النصف الأول من يومه في تأليف الكتب، ويقضي النصف الآخر في تعليم كل من يقصد المكتبة، واستمر على ذلك سنة كاملة إلا يومًا واحدًا.

ولما جاء اليوم الأخير، اشتد عليه المرض، فعلم أن نهايته قد اقتربت. فجمع صاحب المكتبة وتلاميذه حوله، وقال لهم:

روبن: أوصيكم بأن تنشروا كتبي ومعارفي بين الناس، ولا تدعوا هذا العلم يضيع بعد موتي.

فقال تلاميذه:

التلاميذ: نعدك بذلك يا معلم.

فابتسم روبن وقال كلماته الأخيرة:

روبن: لا يهم كم تملك من المعرفة، ما دامت حبيسة لديك وحدك.

ثم التقط أنفاسه الأخيرة، وفارق الحياة.

وبعد وفاته، وفى تلاميذه بوعدهم، فعملوا على نشر كتبه وتعليم الناس ما تركه من علوم، حتى بقي أثره حيًا بين الأجيال، لا لأنه كان أعلم الناس فحسب، بل لأنه جعل علمه ميراثًا ينتفع به الجميع.

ارجو رأيكم في القصة

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش