في طفولتي وتحديداً في سن الرابعة، كنت ضمن عصابة مكونة من حوالي خمسة قراصنة انا سادسهم ، وقد تم قبولي معهم لانني جارهم ، واعيش في منزل ملاصق لمنزلهم، وبالتالي نشأت بيننا صداقة قوية ومتينة..... 

اشتركت مع هذه العصابة في أكثر من واقعة ، ونفذت معهم أكثر من عملية، فقد كانوا كل يوم يغيرون على قافلة او بيت او مزرعة.... 

و كان في ذلك الحي الذي نقيم فيه رجل كبير في السن قد تجعدت بشرته حتى صارت كأنها سلسلة جبال ... 

كان يبيع اللحم كل يوم تحت منزله وكنا نجلس بجانبه نراقب عمليات البيع والشراء فأكتشفنا ان الرجل العجوز يحصل مقابل اللحم الذي يبيعه على اموال كثيرة وطائلة ..... 

وبينما انا أراقب الرجل وهو يستلم مبلغ كبير من احد الزبائن خطرت على بالي فكرة غبية في مثل سني بالضبط .....

فكرت في ان نبيع اللحم مثله لنحصل على المال وعرضت الفكرة على زعيم العصابة جنكيز خان فأعجبته الفكرة و قال وهو يحك راسه : الفكرة ممتازة لكن من اين سنأتي باللحم ؟

قلت له : لا عليك الموضوع في غاية السهولة سنأخذ حمار جارتنا ونذبحة... 

فقال وهو يحدق النظر في وجهي : ولكن أين سنذبحة ؟

قلت له وبصوت منخفض حتى لا يسمعنا أحد : سنذبحه في البيت المهجور ....

رد علي : ولكن من سيشتري لحم الحمار ؟

قلت وأنا أكتم ضحكتي : سنقول للزبائن انه لحم كبش سمين ... 

بعدها عرضنا الفكرة على بقية أفراد العصابة واعجبتهم فقررنا تنفيذها في اليوم التالي مباشرة...

نمنا تلك الليلة ونحن نحلم بالأموال الطائلة التي ستهطل علينا كالمطر وتخيلت نفسي وانا اشتري مالذ وطاب من الطعام والشراب والألعاب ....

وآه يا زمن، كنا على نياتنا كما يقولون ...

استيقظنا في اليوم التالي باكراً ولم يكن عندنا متسع من الوقت حتى لتناول وجبة الافطار فقد كنا في سباق مع الزمن نريد ان ننتهي من ذبح وسلخ وتقطيع الحمار بسرعة حتى نتدارك ونلحق الزبائن قبل ان يشتروا من جارنا العجوز ... 

تجمعنا في الموعد المحدد، وفي المكان المحدد، وتوجهنا إلى بيت جارتنا التي كانت تملك حماراً وتربطه بجانب منزلها...... 

اقتربنا من الحمار بحذر وحللنا رباطه وقبل ان نتوارى بالحمار خرجت الجارة مسرعة وهي تصرخ : اين تريدون بالحمار ؟

نظرنا إلى قائدنا وكبيرنا وناطقنا الرسمي جنكيز خان العظيم فقال لها : نريد ان نرعاه في الحقول والسهول ليأكل ويشرب وإنا له لحافظون...... 

ابتسمت المرأة وظهرت عليها علامات الرضى وقالت بصوت حنون : جزاكم الله خيرا خذوه إذن وحافظوا عليه....

رد عليها هولاكو : حماركِ في الحفظ والصون يا خالة 

نظرنا إلى بعضنا البعض وابتسمنا ابتسامة ماكرة كادت ان تنطق وتخبر المرأة بما نحن عازمون عليه....

اخذنا الحمار بعد ذلك من دون اي تدابير امنية فقد حصلنا على أذن من صاحبة الحمار.... 

كنت في تلك اللحظة افكر في العذر الذي سنقوله للمرأة عندما نعود آخر اليوم بلا حمار!!!  

سألت زعيم العصابة : ماذا سنقول لها بعد ذبح وبيع الحمار ؟ 

رد علي وهو غير مكترث :

سنقول لها هرب او اكلته الكلاب او اي شي المهم الآن ان نذبح الحمار في اسرع وقت حتى نلحق السوق... 

وصلنا إلى البيت المهجور وادخلنا الحمار وبدأت مراسيم الذبح.....

كانت ادواتنا بدائية وهي عبارة عن غطاء قصعة الفاصوليا وبندة وهي قطعة تشبه الحديد لكنها مرنة يلفونها حول صناديق الشاي في ذلك الوقت فكنا نصنع منها سكاكين لكنها ليست حادة اطلاقا.... 

حاولنا ان نطرح الحمار أرضاً ولكن بلا فائدة بعدها قررنا ان نربط كلتا يديه وقدميه ونذبحه على الواقف.... 

بدأنا عملية الذبح باستخدام غطاء قصعة الفاصوليا ولكن لم ننجح حتى في قطع شعرة من رقبته..... 

قلنا سنجرب البندة ولكن ايضاً لا فائدة ....

والحمار المسكين واقف في مكانه وعلى راسه الف علامة استفهام !!! لا يدري ما الذي يحدث بالضبط، ولا كيف ستنتهي القصة.... 

وبعد ان بآت كل محاولاتنا بالفشل اقترح علينا زعيم العصابة جنكيز خان ان نبحث له عن موس حلاقة هنا او هناك، فانتشرنا وتوزعنا في كل مكان نبحث ونفتش وبعد جهد جهيد عثرنا على نصف موس فقط قد ظهرت عليها علامات الصدا ....

دخلنا إلى البيت وسلمناها للزعيم فحاول ان يذبح الحمار بها ولكن ايضاً لا فائدة.... 

قلت لهم : ما رايكم أن نذبح ذيله فما لا يدرك كله لا يترك جله... 

اعجبتهم الفكرة فاتجهنا إلى ذيله وحاولنا ان نقطعه ولكن لا فائدة....

كانت كل حركاتنا بالنسبة للحمار مجرد دغدغة لا أقل ولا أكثر.... 

وبينما نحن مستغرقين في عملنا تفأجاناء بالمرأة صاحبة الحمار مقبلة نحونا تحث الخطئ بعد ان وصلتها معلومات من شهود عيان اننا نذبح على حمارها.... 

ونحن دائماً عندما نصل إلى هذه المرحلة ونتعرض لمداهمة يصبح كل واحد فينا مسؤول عن نفسه،

وكل واحد يواجه مصيره لوحده،

فليس بيننا اتفاقية دفاع مشترك .

بعدها تقدمت المرأة بشكوى لمجلس الأمن ( اهلنا) وفُرضت علينا عقوبات بدنية واقتصادية لم تستمر طويلاً ...

كان اهلي دائماً يمنعوني من مصاحبة اولاد الجيران واللعب معهم ولكني كنت من النوع الذي يحب المغامرات والأكشن فكنت دائما اكسر الأوامر وأعود للتحالف معهم ، وكنا كلما نفذنا عملية انتهت بشكوى وضرب ، ثم بعد انتهاء العقوبات نعود نخطط لعملية أخرى وغزوة جديدة.... 

وآه يا زمن ما أسرع خطواتك.