ظلال أبله

تخرّجتُ قبلَ عدّة أيّامٍ من الآن من كلّيّة الطبّ، لا زلتُ أتذكّر ذلك اليوم التاريخيّ، ربّما اليوم الوحيد الذي رسم خطًّا قصيرا من البهجة في أعماق دخيلتي، حينما عرفتُ أنّني سأبقى لوقتٍ أطول في المستشفى، المبنى الضخم الذي يُلامس قلبي أكثر من أيِّ شخصٍ آخر. أُقيم لنا حفلٌ مهيبٌ، حضر فيه كبار أساتذة الجامعة، كما ألقى بعض الطلّاب كلمة أو اثنتين بمناسبة تخرّجهم، كانت كلماتهم من تلك التي تترك دمع الفرحة على خدود المتأثّرين، قد أقول بعد هذه الأيّام أنّني كنتُ متأثّرًا وقتها، لكنْ ببهجة يشوبها الحزن الأسود غير المبرّر. بعد الخطابات، توزّع البشر ليكملوا فرحتهم بعملهم الجدّيّ الذي دام لسبع سنواتٍ أو يزيد، بحسب ظروف كلّ واحدٍ منهم، أخذتُ مكانا قصّيّا وبقيتُ فيه واقفًا، أبتسم بكلّ حياءٍ لزملائي الذين يمرّون من موضعي، متجنّبًا التقاط الكلمات من أحاديثهم.   رأيتُ بشكلٍ متمعّن في الوحش الرابض أمامي، تلك القبّة التي تثقب السماء بكلّ علومها: مكتبةُ الجامعة، مكانٌ احتواني في الليالي الحالكات، واحتمل عمق جهلي، وسذاجتي العظمى. أحسستُ بعد ربع ساعة من التأمّل - الفعل الذي يختلط بالحنين الطافح للعذاب العقليّ - أحسستُ بالرغبة في المغادرة، لم تكُن هناك أيّ حاجة تشدّني للحياة هناك، كلّ دقيقة تمرّ كانت تجعلني أقترب لجحيم أكره أن تحرقني نيرانه.

ملاحظة: النصّ طويل - جدّا ربّما، رغم أنّ القصّة «قصيرة»، لذلك يمكن إكمال مطالعته بأريحيّة (على شكل PDF) من هنا:

https://drive.google.com/fi...


التعليق السابق
Farissou7 أضف ردا

مقّدمة تعليقك مثيرة للانتباه، بعمليّة تخمين أسماء الكتّاب - مع كتبهم - الذين لهمُ التأثير في كاتب ما. من السيّئ أن يُؤثّر مثل هذا النصّ - لاحقا - على صاحبه، الأسوأ هو أن يكتب الكاتب عن نفسه في مثل هذا النصّ.

ردّا على ملاحظاتك:

1. يُؤثّر المستشفى على بطل القصّة أكثر ممّا يفعل شخص آخر، تبدو الفكرة غامضة وغريبة، خاصّة أنّها مصرّحة في السطور الأولى، لكنّها تتجلّى في: «رأيتُ فيها وأنا غارقٌ في تأمّل بياض وجهها مع بياض أروقة المستشفى، وتساءلتُ بداخلي: إلى من أميل أكثر؟ إليها أم إلى هذا المبنى؟». وفي الشخصيّة نفسها، التي تُعلِي من شأن العمل والدراسة في المجال الطبيّ والفكريّ على العلاقات.

2. لستُ من هوّاة شرب القهوة ربّما، لكنّني من شاربيها في نهاية المطاف، لأنّني بحاجةٍ إليها. أشربُ بالكوب لا بالفنجان، لكنّني قادرٌ على تجرّع الكوب دفعة واحدة إذا لم يُملأ عن بَكرة أبيه، وهذا ما لا يتناقض مع ما هو مذكُورٌ.

3. معكِ حقّ.

4. معكِ حقّ أيضًا: «قُبالة بوّابة البيت».

5. ستجدين في القاموس أنّ الكلمتين - متّصل ومتواصل - مترادفتان، إضافة إلى أنّ سياق الجملة يقبلهما على سواء، فتواصل الساعات نومًا، يعني اتّصال آخر الساعة بأوّل الساعة التالية، وعليه قولهم: «عملٌ متّصل الحلقات». ثمّ إنّ اللفظين من جذر واحد: وصل.

6. الأفضل: «دون أن أُنهي كتابي».

7. مكانُ ممارسة الرياضة يختلف عن مكان الدراسة، الوصول إلى الرياضة، يعني الوصول إلى مكان إقامتها، علاقة مكانيّة. لممارسة الرياضة وقتٌ محدّد، وعلى صاحب المذكّرة أن يصل به، أيْ أن يصل بالرياضة، علاقة زمانيّة. رغمَ ذلك، الأوضح بلا (بدون؟) تعقيدات مكانيّة وزمانيّة هو: «خرجتُ مع ريان لممارسة الرياضة».

8. «قُل إنّ الأوّلين والأخرين» [الواقعة - 49]، الأوّل هو ما سبق (أعرفُ أنّك تعرفين هذا)، يُثنّى ويُجمع، فالكلمة في مكانها صحيحة، كما هي صحيحة: السابقان.

9. ارتباط الدواء بالأمّ على معنيين: الأمّ تتناول دواءها الخاصّ (وهو الشائع في التعبير)، أو هذه الأمّ هي التي تقُدّم الدواء لولدها، وكاتب المذكّرة يعني المعنى الثاني، وبهذا تنجلي عتمة: «مساعدتها»، فهي تُعينه بتقديمها لدواءٍ يُخفّف من حالته. يجبُ أن يضع القارئ في باله أنّها يوميّة، يكتبُ فيها البطل لنفسه بتعبيراتٍ قد لا يفهمها إلّا هو، ضِف عليها حالة هذا الشخص الشاذّة. قد تكون اليوميّة المُستخدمة ليست مجرّد نصٍ كُتب ليُوالِم القصّة، بل جزءًا حقيقيّا، مبتورًا من كراريس مغبّرة.

أشكرك بكلّ صدقٍ على ملاحظاتك المفيدة.

أهلاً فارس..

بالنسبة للتأثر، أبداً لا ضير من التأثر بكاتب ما، وربما لأنني منذ فترة وجيزة أنهيت كتاب اللامنتمي، وقد مكنني الاطلاع على أدب مجموعة من الكتّاب، علقت بذاكرتي تلك الشخصيات التي وجدتها بين سطورك، ولهذا استشهدت بها.

وأما بخصوص ملاحظاتي، لا أنكر أفدتني بالشرح، فأحياناً نقرأ من زاويتنا نحن فقط، فيأتي الآخر موّضحاً لنا ما قد يكون قد غاب عنّا.

أكرر دوماً أنني أحب القراءة لك.. لذلك أرجو أن لا تضايقك استفساراتي أو ملاحظاتي.. حيث لا أتمنى لك سوى التوفيق وأراك أهل له.