هل الأخلاق مصدرها الدين؟

في رأيي أن الأخلاق ليست ناتجاً من نواتج الدين أو مكون أساسي له، والدليل على ذلك أن هناك بعض الأديان التي لم تهتم بالأخلاق مثل الأديان اليونانية وآلهة اليونان الذين لم يهتموا بالأخلاق قط لا من أفعالهم ولا من أقوالهم وتركوا للفلاسفة التفكير في ماهية الأخلاق من منطلق بشري تمامًا.

وفي العهد القديم نجد اله التوراة متناقض الأفعال فتارة يأمر بألا يؤخذ الأبناء بما فعله الآباء الى آخره من التناقضات الأخلاقية، وبالتالي فهو ليس الهاً للأخلاق رغم الوصايا العشر لموسى.

أما ارتباط الأخلاق بالأديان فقد تجلى بشكل واضح مع الديانتين الاسلامية والمسيحية من خلال عدة توصيات وأحاديث نبوية بينت الإتجاه العام للديانات ما بعدهما.

ومن الأخطاء الشائعة أن نحكم على أصل ظاهرة كالدين وعلى مكونات الدين الأول من واقع الأديان الحالية سواء كانت حديثة أو بدائية حديثة لأن كلاهما مر بتطورات وتوفرت له العوامل الزمنية والفكرية ليتطور ويختلف عن الأصل، ولكن هذا لا يمنع أن نسقط الأصل على الديانات الحالية لنختبر فرضياتنا.

الأخلاق في نظري هي ظاهرة سياسية إجتماعية تقاطعت مع الدين في الآونة الأخيرة من عمر الإنسان والتحمتا -هاتين الظاهرتين- بشكل أصبح من الصعب التفريق بينهما فيه، فهل لديك رأي آخر؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

transient أضف ردا

هناك تفسير تطوري للاخلاق و يمكن ان يكون هذا صحيحا لكن عدا الايمان بدين ما , لا يوجد سبب منطقي اخر للالتزام بالاخلاق , كل فرد يفعل ما يريد و كل ما يجب الالتزام به هو القانون حتى لا تعاقب

التوراة محرفة و لذلك تجد فيها تناقضات اخلاقية

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، كما ورد في الحديث النبوي: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .

هذا معناه أن الإسلام لا يدعي أنه مصدر للأخلاق.

لنفترض جدلا، أن الإسلام يدعي أنه مصدر للأخلاق، ألا يجب على ملتزميه أن يكونوا ذوي أصحاب خلق حسن؟ نعم يجب هذا! ولكننا نرى في أحيان ما أصحاب الخلق وأحيان أخرى من أسوء الناس خلقا.. و كذلك ألا يجب على علمائهم أن يكونوا ذوي أخلاق وعدل وخوف من الله؟ يجب. ولكن الكثير منهم الآن علماء تحت إمرة السلطان!

الأخلاق تنبع من تربية الأهل والأهل فقط، والدين الإسلامي يشجع على أن يكون الإنسان صاحب أخلاق عالية وعليه فإن المتدين الحق سيكون خلوقا وسيربي أبناءه على حسن الخلق.

نعم، الأخلاقُ مصدرُها الدّين، والدّينُ الذي لا يأمرُ بالأخلاق مُستثنى، وأنا أستأمنُ المُشرك أو المؤمن بغير الإسلام أكثر بألف مرّةٍ من ائتماني لملحد، الملحدُ بطبيعته عديمُ الأخلاق (لا أقصِدُ الإساءة ولكن أقصِدُ ما هو أصلُ طبيعته) ليس لأنّهُ ليس على مذهبي أو ما شابه، بل لأنّهُ ابتعد عن مورِّدِ الأخلاق، وما يمنعُهُ عن ارتكابِ الجرائم هو القانونُ فحسب.

intjeek أضف ردا

الدين لا يورِّد الأخلاق، لكن في بعض الحالات يصدرها، لكنه ليس هو المسؤول أو الصانع لها.

أوليس القانون مستمد من الأخلاق؟

بلى، الدّين يصنعُ الأخلاق وهو مُورِّدُها وأساسُها.

القانون مانِعٌ خارجيّ، راجع ردّي:

الملحدُ بطبيعته عديمُ الأخلاق

يابان تتعتبر دولة ملحدة رغم ذلك شعبها متمسك با أخلاقه أكثر بكثير من دول متدينا ,_,

ما مقياسُ التّمسُّكِ بالأخلاق؟ كيف تعرفُ ذلك؟ ثُمّ إنّ هذا لا علاقةَ لهُ بموضوعنا فقد ذكرتُ أنّ الملحد يخشى القانونَ فحسب، لنرى ما سيفعلهُ اليابانيّ في غابةٍ نائية.

mooaz2015 أضف ردا

أنا أقصد هل ترى أن أرتباط الأخلاق بالدين هو شيء أساسي؟

أنا أتكلم عن ظاهرة الدين بشكل عام وليس دين معين وكما ترى فلم تأمر كل الأديان بالأخلاق الا الأديان السماوية وما عاصرها.

وما يمنعُهُ عن ارتكابِ الجرائم هو القانونُ فحسب.

وما العيب في ذلك، أليست الأديان تقوم بمثل هذه التشريعات؟

أنا لا أعرفُ بشأن الأديان الوثنيّةِ والوضعيّة، لذا أُفضِّلُ نقاشَ الأديان السّماوية.

العيبُ في ذلك أنّ المنعَ هُنا منعٌ خارجيّ، أي لو لم يوجد القانونُ في مكان أو لو علم أنّ أحدًا لم يشاهدهُ لارتكبَ تلك الجريمة، بينما المُسلم فمنعُهُ داخليّ، فهو يعلمُ أنّ اللهَ يُراقِبُهُ في كُلِّ وقتٍ ومكان وأنّه حتّى لو كان في غابةٍ مثلًا فلا يحلُّ لهُ ارتكابُ الجريمة، والمُلحِدُ لو علا عن القانون فصار صاحبَ سُلطةٍ لما خاف من الجرائم عكس المُسلم.

ولكن القوانين ما هي الا أخلاق مرتبطة بالتشريعات والعقوبات.. والأخلاق يمكن الحصول عليها دون أديان كما في فلسفة الأغريق عن الأخلاق، وبالتالي فالمانع الداخلي موجود وهو الأخلاق وهو ما قد يمنع الملحد من القتل أو أكل لحوم البشر أو غيرها حتى لو لم يعاقب عليها القانون.

الأمر ليس هكذا إنما الإنسان احتاج للأخلاق لتحسين التنظيم وتسيير العلاقات، لذلك فحتى الملحد واللأدري عندهم أخلاق وعندهم مسؤولية تجاه الأشياء إلا إن كانو ملحدين عمي "وهذا أكثر ما يدور في بعض المجتمعات التي أعرفها، فإلحادها أعمى يبحث عن مضادة كل الأشياء، لكن الإنسان لكونه إنسان وبصفته يعرف كيف ينجز أموره فهو حتى قبل أن تأتي الديانات وتشريعاتها فقد استخدم الأخلاق بطريقته الخاصة

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

هذا يدل انه لم يستفد شيئا ويأس من ضغط الزر يا عزيزي وليس انه اشفق على صديقه القرد

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

اهااا اسف لم أعرف أنه سيأخذ موزة

mooaz2015 أضف ردا

لا هذه التجربة فعلاً مهمة في توضيح مبدأ الخير والشر واكتساب الخبرات ومفهوم "التابو".

ففي تجربة أخرى قرأت عنها منذ زمن تتعلق بالقردة - لأ أعرف الشخص الذي أخذ يروج لتجارب القردة في هذه الفترة-، وضعوا مجموعة من القردة في حجرة ووضعوا سلم ومن يصعد السلم يحصل على موزة، وبعد فترة أصبحوا يكهربون كل القردة عندما يحاول أحدهم الصعود على السلم دونما القرد الصاعد، وهكذا أمتنعت القردة عن الصعود للسلم للحصول على موزة -بالتأكيد كان هناك مصدر غذاء آخر حتى لا تموت القردة-، وبعد مدة استبدلوا بعض هذه القردة بقردة جديدة لا تعرف شيئاً عن السلم وكلما حاولت صعوده للحصول على الموزة منعتها القردة الأخرى، وأستمروا بذلك حتى أصبح لدينا مجموعة جديدة من القردة لا تعرف شيئاً عن السلم ولكن تخشى أن تصعده.. وهذا يا عزيزي هو "التابو" وهو مصدر من مصادر الأخلاق في كل المجموعات.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

الأخلاق مجرد مصطلح أخترعناه كبشر ليدل على هذه الظاهرة مما منحه تقديس منا، فنحن كبشر نميل الى تقديس الكلمات وهو ما سبب هذا "اللغط".

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

أظن أنني أتفق مع النفعية "مبدئياً" ولم أتناول موضوع الأخلاق فلسفياً بشكل واسع، ولكن أعتقد أن الأخلاق ذاتها قامت على النفعية أو ما شابهها حيث أن الأكثر نفعاً لي (الذي يؤهلني للنجاة) هو الخير وعكس ذلك هو الشر.. هذا ان لم تعتبر أن الانسان خير بفطرته.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

اذا لم تخبرني نية السارق فسنعتبره جميعاً أبطال لأنه بالتأكيد لن يخبرنا أنه ذهب بنية السرقة، أما لو عرفنا نيته هذه فسنعبره سارق وبما أننا لا يمكننا أن نعرف ما يدور في ذهنه فسنحاسبه على أفعاله ونتائجها، ونترك أمر النية للإله فهذه إحدى مميزات وجوده وهي تحقيق العدل الذي لم نستطع تحقيقه.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

نعم، عموماً نحن البشر نحاسب على الأفعال ونتائجها وأحياناً نأخذ موضوع النيات بالاعتبار في القضايا الكبرى حيث كلما زادت أهمية القضية زدنا رغبةً في أن نقترب من عدل الآلهة وبالتالي نحاول تقليدها في حكمها على البشر وندخل النيات في قضايا مثل القتل الخطأ أو القتل دفاعاً عن النفس.

لا أظن أن هناك من يتبع المذهب الكانطي الا الرهبان البوذيين ومن شابههم، فنحن نفعيين جداً.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

حسناً وعلام تدل هذه التجربة؟

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

الأخلاق هي أشياء جوهرية تصنعها البيئة الصغيرة للطفل، لكن الدين ليس مسؤولا عنها إنما هو بالإمكان أن يعززها وأن يقيدها في نطاق أو يتركها كما هي.

فالأخلاق أمر اجتماعي نشأ مع الإنسان الفرد وارتقى به في تعاملاته مع الجماعة، ربما أنها فطرية لكن الراجح أنها مكتسبة من خلال العوامل والتأثيرات والتربية التي تدور في فلك الطفل وببيئته الصغيرة.

بلى مصدر الأخلاق هو الدين،و لو لم يرسخ الدين المبادئ الأخلاقية السامية لأصبح العالم مجرد غابة فقط يأكل القوي فيها الضعيف،و لانحط العالم إلى ما هو أسوأ مما هو عليه،و لكانت الأخلاق أخلاق نفعية تحكمها توازنات القوى،فالذي لا يسرق لن يسرق كي لا يعاقبه القانون،لكن إن أتيح له أن يسرق من دون رقابة القانون و بمأمن من العقوبة لن يتردد في السرقة،و لو كان في موضع قوة بحيث يكون أعلى من القانون سيسرق و لن يقصر،و الذي يريد أن يقتل نفس الأمر و هكذا دواليك،هذا هو ستالين أباد عشرين مليون إنسان و بول بوت أباد ربع كمبوديا،و ماو تسي تونغ أباد أربعين مليون،و أنا متأكد أنو لولا خوفهم من الاغتيال أو انقلاب منافسيهم عليهم لتمادوا في الإجرام أكثر،و لو كانوا آمنين و يملكون السيطرة المطلقة لفعلوا ما هو أفظع من ذلك و لربما لم يكتفوا بالقتل بل قاموا بتقطيع الجثث أشلاء أمام الناس ولقاموا بقتل العجزة و المعاقين،لكن بما أن توازن القوى بينهم و بين منافسيهم و الشعب و القوى الكبرى أدى لهذا العدد و عدم إظهار الوحشية فقد اكتفوا به،و لو كانوا يستطيعون منع الناس من الأكل و الشرب لما قصروا في ذلك لكن بما أنهم يحتاجون الناس للعمل و الجيش فهم لا يستطيعون فعل ذلك

فلا تصدق أن أخلاقيات الكائن البشري نابعة من الفكر و الالتزام و الاعتبارات المجتمعية و إنما نابعة من المنفعة و توازن القوة بينه و بين محيطه،و لو أنه أتيح له الاعتداء دون أن يوقفه أحد و أراد أن يعتدي فلن يجد بأسا من ذلك،سيكون اعتداءه أو عدمه نابعا من مزاجه الخاص

قارن هذا بفعل أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الذان تبرعا بكل ثروتهما لخدمة الناس،عمر الذي أجاع نفسه لإطعام الناس و الذي قال لو عثرت بغلة في العراق أخاف أن يسألني الله عنها،فهل فعل عمر ما فعله من تلقاء نفسه و من مبادئه الأخلاقية دون مؤثر خارجي،لا،و إنما كان الدافع لما فعله هو الخوف من الله و الخوف من دخول النار و رغبة في الثواب في الآخرة،و كل ما فعله مخالف تمام الخلاف لأخلاق النفعية و توازن القوى

أخلاق مثل الصدق و الأمانة و عدم القتل و السرقة و غير ذلك تحتاج لتثبيتها من مصدر خارجي من خارج هذا العالم على شكل تشريعات و جاءت الأديان بذلك،لأنها أخلاق تخالف الطبيعة البشرية النفعية و التي تلعب على توازن القوى،عندما أكون آمن من العقوبة و يتاح لي أن أسرق و لا أسرق فهذا يخالف الطبيعة البشرية النفعية الأنانية و التي تلعب على توازن القوى،و لا يمكن أن يتم ترسيخها في النفس و إعطائها معنى حسن سوى بتشريع رباني و مقدس أقوى من الإنسان،يرغبه بثواب و يهدده بعقاب يجعله يحجم عما يريد فعله و يكون أقوى من الدافع الأناني النفعي الذي لديه و الذي لا يقيم اعتبارا سوى للقوة فقط

لذلك الكثير من الفلاسفة و الملحدين أشادوا بدور الدين في تجنيب العالم كوارث الأخلاق النفعية الأنانية للإنسان و صرح منهم أنه لو لم يكن الدين موجودا للزم اختراعه،و أنه و لو كان ليس من مصدر إلهي و مجرد اختراع بشري فإن دوره هام جدا في ضبط وحشية الإنسان

فلو تتبعت أثر الأخلاق الحسنة و الخيرة التي يتأثر بها الإنسان و يرسخها في نفسه لا بد أن تعود في أصلها لتعاليم دينية حتى لو ذهب أثر هذا الدين و اندثر و كانت المجتمعات وثنية و نسيت أنبياءها و ربها،لكن تعاليم الدين تبقى في الثنايا مختلطة مع التحريفات التي حصلت تتناقلها الأجيال جيلا بعد آخر

-1

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين .

أما بعد : فإن موضوع هذه الكلمة هو بيان الأخلاق الإسلامية التي ينبغي لكل مؤمن ولكل مؤمنة التخلق بها والاستقامة عليها حتى الموت ، وما ذاك إلا لأن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته ووعدهم عليها أحسن الجزاء إذا استقاموا عليها ، وأعد لأوليائه المستقيمين على الأخلاق التي أمر بها ودعا إليها الجنة والكرامة مع التوفيق في الدنيا والإعانة على الخير ، وأعد لمن حاد عنها واستكبر عنها دار الهوان وهي النار وبئس المصير نسأل الله العافية .

والأخلاق الإسلامية هي التي أمر الله بها في كتابه العظيم ، أو أمر بها رسوله الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ، أو مدح أهلها وأثنى عليهم ووعدهم عليها الأجر العظيم والفوز الكبير ، ومنها الأخلاق التي وعد الرب عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وسلم من تركها وهجرها الجزاء الحسن ، فإن ترك المذموم من الخلق الممدوح ، ففعل المأمورات وترك المحظورات هو جماع الأخلاق التي أمر الله بها ودعا إليها أو أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا إليها أو مدح أهلها ، وهذه هي العبادة التي خلق لها الثقلان في قوله سبحانه وتعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ[1] والمعنى يعبدونه سبحانه وتعالى بفعل المأمور من صلاة وصوم وأعظم ذلك توحيده والإخلاص له ، وترك المحظور الذي نهى عنه وأعظم ذلك الشرك بالله ودعوة غيره معه وسائر أنواع الكفر والضلال ، وهذه الأخلاق التي هي فعل المأمور وترك المحظور هي التي بعث الله بها الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام من عهد آدم أول رسول أرسل إلى أهل الأرض ، وعهد نوح الذي هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعد أن وقع فيهم الشرك إلى آخرهم إلى خاتمهم وأفضلهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، فأبونا آدم عليه الصلاة والسلام رسول أرسل لأهل الأرض ونبي كريم شرع الله له التوحيد ، وشرع له شرائع وسار عليها هو وذريته حتى وقع الشرك في قوم نوح ، فأرسل الله نوحا إلى أهل الأرض وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بعدما وقع الشرك فيهم ، فدعا إلى توحيد الله وأنكر الشرك بالله ، وأقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته وترك الإشراك به ومعصيته ، ثم بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام بعد ذلك كلهم يدعون إلى توحيد الله وطاعته وترك ما نهى عنه سبحانه وتعالى كما قال عز وجل : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[2] وقال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ[3] ثم ختمهم جميعا بأفضلهم وإمامهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فهو خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين ليس بعده نبي ولا رسول كما قال الله عز وجل : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[4] وخاتم النبيين هو خاتم المرسلين لأن كل رسول نبي ولا ينعكس ، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسول ، وخاتم النبيين هو خاتم المرسلين عليهم الصلاة والسلام ، والدعوة التي دعا إليها هي الدعوة التي دعا إليها إخوانه المرسلون وهي توحيد الله عز جل والإخلاص له وفعل ما أمر به سبحانه من الطاعات وترك ما نهى عنه من المعاصي .

وهذه الأخلاق بينها الله في كتابه العظم وبينها الرسول عليه الصلاة والسلام ، بينها في القرآن الكريم في غالب سور القرآن بينها آمرا بها وداعيا إليها ومثنيا على أهلها ومحذرا من أضرارها من الإشراك بالله وسائر المعاصي .

والله سبحانه بعث رسوله عليه الصلاة والسلام يدعو إلى ذلك كما في الحديث الصحيح وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) وفي اللفظ الآخر ((لأتمم مكارم الأخلاق)) فبعثه الله ليدعو الناس لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وأساسها توحيد الله والإخلاص له هذا هو أصل الأخلاق الكريمة وأساسها وأعظمها وأوجبها وهو توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به ، ثم يلي ذلك الصلوات الخمس فهي أعظم الأخلاق وأهمها بعد التوحيد وترك الإشراك بالله سبحانه وتعالى ، وقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه على خلق عظيم فقال جل وعلا : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[5] وخلفه صلى الله عليه وسلم هو اتباع القرآن والسير على منهج القرآن فعلا للأوامر وتركا للنواهي ، هذا هو خلقه عليه الصلاة والسلام؟ كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها عائشة لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان خلقه القرآن والمعنى أنه كان صلى الله عليه وسلم يعمل بأوامر القرآن وينتهي عن نواهي القرآن ويسير على المنهج الذي رحمه القرآن- عليه الصلاة والسلام- فهذا هو الخلق العظيم الذي أعطاه الله نبيه وهو الامتثال لأوامر الله وترك نواهيه والاستقامة على الأخلاق والأعمال التي يحبها ويرضاها سبحانه وتعالى ، ومن تدبر القرآن الكريم واعتنى به وكثر من تلاوته يريد فهم هذه الأخلاق ويريد العلم بها وجد ذلك . يقول سبحانه وتعالى في كتابه العظيم : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[6] ويقول سبحانه : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[7] ويقول سبحانه : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[8] ويقول عز وجل : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[9] ويقول سبحانه : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[10] فهذا الكتاب العظيم فيه بيان الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ، وبيان الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ليحذرها المؤمن ويحذرها إخوانه المسلمين ، وليحذر أعمال الكافرين والمنافقين والفجار والمجرمين ، لأن الله سبحانه بينها ليحذرها عباده المؤمنون ، كما بين الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ليأخذ بها المؤمنون وليستقيموا عليها ، فعلينا جميعا رجالا ونساء أن نتدبر كتاب الله وأن نتعقل كتاب الله في جميع الأوقات ليلا ونهارا حتى نعرف هذه الصفات وهذه الأخلاق التي يحبها سبحانه ويرضاها ، وحتى نعرف الصفات والأخلاق التي يذمها ويعيبها وينهى عنها ، والرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله مبينا في أعماله وأقواله وسيرته الحميدة كل ما يحبه الله ويرضاه ، وناهيا عن كل ما يبغضه ويباعد عن رحمته كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[11] وقال سبحانه : وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[12] فهو عليه الصلاة والسلام يبين لنا الأخلاق والصفات التي يرضاها ربنا والتي أمرنا بها سبحانه وتعالى ، ويبين لنا أيضا بتفسيره وسنته ما قد يخفى علينا من الأخلاق والأعمال التي ذمها وعابها سبحانه وتعالى ، ومن ذلك ما بينه سبحانه في سورة الفاتحة فإنه أنزلها ليستقيم عليها المؤمنون ويعملوا بمقتضاها وهي أم القرآن علمهم كيف يحمدونه ويثنون عليه ويطلبون منه الهداية سبحانه وتعالى ، وهذه من الأخلاق العظيمة أن تكثر الثناء على ربك وتحمده ، وأن تعترف بأنك عبده وأنه معبودك الحق وأنه المستعان هذا من الأخلاق العظيمة وأن تطلب منه الهداية والتوفيق قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[13] تعليما لعباده سبحانه أن يثنوا عليه بهذه الأسماء العظيمة ويقول بعد هذا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[14] وقال جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم : ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) يعني الفاتحة سماها صلاة لأنها ركن الصلاة ((فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي)) لأن التمجيد كثرة الثناء ((وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله سبحانه هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)) فإياك نعبد حق الله ، وإياك نستعين حاجة العبد ومطلوبه أن يستعين بربه لأنه المستعان سبحانه وتعالى المالك لكل شيء جل وعلا القادر على كل شيء يستعين به العبد في عبادته وطاعته وترك معصيته ، ويستعين به أيضا في أموره الخاصة من أمور الدنيا كما في حديث ابن عباس : ((فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) فربك هو المستعان وهو المعبود بالحق ، فيعلمك سبحانه أن تقول : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ هذا بينك وبين ربك ، إياك نعبد حقه عليك ، وإياك نستعين حاجتك إليه تستعين بربك على أمر دينك ودنياك . فعبادته وحده هي أعظم الأخلاق أن تعبده وحده وتخصه بالعبادة ، لا تعبد معه ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا صنما ولا شجرا ولا كوكبا ولا غير ذلك ، تعبده وحده سبحانه وتعالى كما قال عز وجل : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[15] وقال سبحانه : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ[16] وقال تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[17] وهو المعبود بالحق جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ[18] وهذه العبادة هي أعظم الواجبات وأعظم الحقوق وأعظم الأخلاق أن تعبده وحده أينما كنت في الشدة والرخاء في الصحة والمرض في السفر والإقامة حتى تلقى ربك لا تصل إلا له ولا تدع إلا إياه ، ولا تستغيث إلا به ولا تذبح إلا له ، ولا تنذر إلا له ، ولا تتصدق إلا له ، تقصد بأعمالك كلها وجهه سبحانه وتعالى دون كل من سواه ، لأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده كما قال تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[19] وقال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ[20] وكل العبادات التي أمر الله بها وشرعها لنا يجب أن تكون لله وحده ، فلا يستغاث بالأموات ولا ينذر لهم ولا يطلب منهم النصر على الأعداء ولا شفاء المرضى ، ولا يطلب من الأنبياء ولا من الكواكب ولا من الملائكة ولا من الجن ولا من غير ذلك ، كل هذا يختص بالله وحده فهو الذي يدعى ويرجى ويسأل سبحانه وتعالى ، أما المخلوق الحي فلا بأس أن يسأل فيما يقدر عليه فيما يجيزه شرع الله المطهر بينك وبينه ، كما قال الله في قصة موسى : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ[21] وقال تعالى : فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ[22] فلا بأس في الأشياء الحسية الدنيوية أن تخشى اللص والسراق فتغلق بابك أو تجعل عليه حراسة خوفا من شرهم كما قال تعالى عن موسى عليه السلام : فخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ[23]خرج من مصر خائفا يترقب من شر الفراعنة وهذا من الأسباب الحسية التي شرعها الله لعباده . وهكذا قول الله سبحانه وتعالى : فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ[24] والمعنى أنه استغاثه الإسرائيلي على القبطي فأغاثه موسى لأنه حي موجود قادر على المطلوب ، فإذا قلت لصاحبك : يا فلان أعني على إصلاح سيارتي ، وهو حاضر يسمعك فلا بأس بذلك فليس هذا من العبادة ، وهكذا لو قلت يا أخي أقرضني كذا وكذا من المال ، ساعدني على بناء هذا البيت وهو من خواص إخوانك القادرين تطلب منه المساعدة في شيء يقدر ، عليه فهذا ليس من العبادة أيضا ولا بأس به في الحدود الشرعية ، أما . أن تأتي لميت فتقول : يا فلان أو يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فهذا شرك أكبر ، أو تطلب من الجن أن يغيثوك ويمنعوك من عدوك ، أو تطلب من الملائكة أو من الأنبياء الذين قد ماتوا فهذا من الشرك الأكبر ، أو تدعو الشمس أو القمر أو النجوم وتسألها النصر أو الغوث على الأعداء وما أشبه ذلك فكل هذا من الشرك الأكبر المخالف لما بينه الله في قوله سبحانه : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[25] وهذا هو توحيد الله وهذا هو الخلق العظيم خلق الرسل وأتباعهم توحيد الله والإخلاص له دون كل ما سواه سبحانه وتعالى ، وهكذا طلب الهداية تطلب من ربك الهداية فأنت في حاجة إلى الهداية ولو كنت أتقى الناس ولو كنت أعلم الناس ، أنت في حاجة إلى الهداية حتى تموت ولهذا علمنا سبحانه في الفاتحة أن نقول في كل ركعة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في اليوم والليلة سبع عشرة مرة في الفريضة غير النافلة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الناس وأكمل الناس هداية عليه الصلاة والسلام ومع هذا يقول في استفتاحه في الصلاة : ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم)) يطلب من ربه الهداية وهو سيد ولد آدم قد هداه الله وأعطاه كل خير ، ومع هذا يطلب من ربه الهداية فإننا كلنا في حاجة إلى الهداية العالم والمتعلم والعامة والخاصة والرجال والنساء كلنا في حاجة إلى الهداية ولهذا شرع الله لنا أن نقول : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ والمعنى دلنا على الخير وأرشدنا إليه وثبتنا عليه ، والصراط المستقيم هو دين الله وهو القرآن والسنة يعني ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، فهذا هو الصراط المستقيم وهو الإسلام وهو الإيمان والبر والتقى وهو دين الله ، تطلب من ربك الهداية لهذا الصراط أن تستقيم عليه وأن يثبتك عليه حتى تموت وأنت على هذا الصراط وهو صراط المنعم عليهم من الرسل وأتباعهم وهو الصراط الذي استقاموا عليه وساروا عليه قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا[26] ثم يقول تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[27] والمعنى أنك تسأله أن يجنبك طريق هؤلاء المغضوب عليهم والضالين ، والمغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وهم اليهود وأشباههم ، والضالون هم الجهال الذين يتعبدون على غير علم وهم النصارى وأشباههم ، تسأل الله أن يجنبك طريق هؤلاء وهؤلاء ، وأن يهديك طريق المنعم عليهم وهم الرسل وأتباعهم أهل العلم والعمل الذين عرفوا الحق وعملوا به هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم ، تسأل الله أن يهديك طريقهم وأن يمنحك العلم النافع والعمل الصالح حتى تستقيم ، وهذا كله من الأخلاق العظيمة ، وقال سبحانه في أول سورة البقرة : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[28] هذه من الأخلاق الفاضلة أيضا ، من أخلاق المؤمنين ، والإقامة للصلاة ، والإيمان بالغيب ، والإيمان بالله ورسوله ، والإيمان بالآخرة ، والإيقان بها ، والإيمان بالرسل الماضين وما أنزل إليهم كل هذا من الأخلاق العظيمة ، ومنها الإنفاق والجود والكرم كل هذا من الأخلاق العظيمة وهكذا يقول سبحانه في سورة البقرة : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[29] هذه أيضا من صفات الأخيار وهذه من الأخلاق العظيمة التي مدحها الله وأخبر سبحانه أن أهلها هم الصادقون المتقون ، فعليك بهذه الأخلاق استقم عليها ، وهكذا في سورة آل عمران في أثنائها يقول جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[30] اسمع ما مدحهم الله به من الأخلاق ، واستقم عليها ، ثم قال سبحانه في وصف المتقين : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[31] هذه من أخلاقهم العظيمة من أخلاق المتقين ومنها ما ذكره الله سبحانه بقوله : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ والفاحشة هي المعصية . . . هذه من أخلاقهم العظيمة التوبة والاستغفار من جميع المعاصي ثم قال سبحانه : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ فليس هناك غافر إلا الله جل وعلا فهو سبحانه الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة . ثم قال جل وعلا : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ[32] والمعنى أنهم لم يقيموا على المعاصي بل تابوا وأقلعوا منها خوفا من الله سبحانه وتعظيما له ، وهذه من أخلاقهم العظيمة أخلاق أهل الإيمان أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ[33] هذا هو جزاء التائبين الصادقين ، فالمؤمنون والمؤمنات هذه أخلاقهم : التقوى لله والاستقامة على هذا الدين والإنفاق في السراء والضراء والشدة والرخاء ، ولو بدرهم واحد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) وفي سورة براءة ذكر سبحانه أيضا جملة من أخلاقهم وذلك في قوله سبحانه وتعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[34] هذه من أخلاق أهل الإيمان الرجال والنساء بعضهم أولياء بعض ، والأولياء فيما بينهم من أخلاقهم : المحبة والتواصي بالخير ، والتعاون على البر والتقوى ، فلا يغتاب بعضهم بعضا ، ولا ينم عليه ، ولا يشهد عليه بالزور ، ولا يظلمه ، هكذا المؤمنون والمؤمنات أولياء ليسوا متباغضين ، ولا متحاسدين ، ولا متشاحنين ، ولا يكذب بعضهم على بعض ، ولا يغتابه ، ولا ينم عليه ، ولا يشهد عليه بالزور ، ولا يظلمه في قول ولا عمل ولا دم ولا مال ، ولا يغشه في معاملة ، ولا يخونه في جميع الأحوال . ثم قال سبحانه : يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ هكذا أينما كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالأسلوب الحسن وبالطريقة الحميدة وبالعلم والبصيرة كما قال تعالى : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ[35] فهم يأمرون عن بصيرة وينهون عن بصيرة ، والمعروف ما أمر الله به ورسوله ، والمنكر ما أنكره الله ورسوله ونهى عنه ، هكذا المؤمنون والمؤمنات إذا رأوا من بعض إخوانهم تقصيرا في طاعة الله أمروهم بمعروف ، وإن رأوهم يتخلفون عن الصلاة في الجماعة قالوا لهم : اتقوا الله وحافظوا على الجماعة فهي مفروضة عليكم ولا تتشبهوا بالمنافقين ، وهكذا لو رأيته يتعاطى الربا نصحته لله ، أو رأيته يجالس من ليس من الطيبين تنصحه وتذكره بالله ((فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن)) ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا .

هذه من صفات المؤمنين وأخلاقهم دعاة إلى الله ناصحون لله ولعباده يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن بالأساليب الطيبة ، لا بالعنف والشدة حتى يقبل منهم الحق وحتى يستفيدوا ويستفاد منهم قال الله تعالى في كتابه العظيم : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[36] وقال سبحانه في دعوة الكفار : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[37] وهم اليهود والنصارى إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فمن ظلم يعامل بما يستحق ، وقال تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[38] هكذا المؤمن من أخلاقه العظيمة الدعوة بالتي هي أحسن ويجادل بالتي هي أحسن يرفق بالناس يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)) ويقول عليه الصلاة والسلام : ((إن الرفق لا يكون في الشيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه)) ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) فلابد من صبر ولا بد من حلم ولابد من رفق في أمرك ونهيك ودعوتك ، ويقول سبحانه في آخر سورة التوبة لما ذكر المجاهدين قال في وصفهم : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ[39] هذه أخلاق أهل الإيمان ، والجهاد قبلها يقول سبحانه : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[40] ثم ذكر صفاتهم فقال : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ[41] هذه صفات الأخيار من أهل الإيمان والجهاد ، وقال سبحانه في سورة يونس عليه الصلاة والسلام : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[42] ثم بينهم فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[43] هؤلاء أولياء الله إذا أردت أن تصير منهم فعليك بهذا الخلق العظيم ، وهو الإيمان الصادق بالله ورسوله وبكل ما أخر الله به ورسوله ، والتقوى بطاعة الأوامر وترك النواهي ، فمن تخلق بهذا الخلق فهو من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهم : الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ والمعنى أنهم آمنوا بالقلوب وصدقوا بالأقوال والأعمال ، فهؤلاء هم أولياء الله الذين آمنوا بأن الله هو الواحد المستحق للعبادة وصدقوا ذلك بالعمل ووحدوا الله وخصوه بالعبادة وتركوا الإشراك به ، وعرفوا أن الله أوجب الصلاة فصلوا وحافظوا عليها . في الجماعة وعرفوا الزكاة فأدوا الزكاة وأنها فريضة ، وهكذا عرفوا الصوم وأنه من أخلاق المؤمنين فريضة فصاموا رمضان ، وعرفوا الحج فأدوه كما أمر الله ، وعرفوا الجهاد فجاهدوا ، وهكذا عرفوا المحارم فاجتنبوها وحذروها مثل الزنا وعقوق الوالدين وشرب المسكر والربا وأكل مال اليتامى وغير هذه المحرمات عرفوها واجتنبوها ، طاعة لله وتعظيما له ورغبة فيما عنده سبحانه وتعالى ، هكذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات ، وقال سبحانه في سورة المؤمنون : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[44] هذه أخلاق المؤمنين في كل مكان وزمان يذكرها سبحانه ليعلمها العباد ويستقيموا عليها ويحفظوها ومعنى قوله سبحانه : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ أي فازوا وظفروا بكل خير وحصلوا على كل خير ثم ذكر صفاتهم فقال : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ بدأ بالخشوع في الصلاة لعظم شأنه وشأن الصلاة ، فإذا دخلت في الصلاة فاخشع فيها لربك ، واطمئن وأقبل عليها بقلبك وبدنك حتى تكتب لك كاملة ويحصل لك الأجر العظيم ، وإياك والوسوسة وقت الصلاة وإياك والخوض هاهنا وهاهنا بالأفكار والهواجس أقبل على صلاتك واخشع فيها لربك واجمع عليها قلبك تفلح غاية الفلاح ثم قال سبحانه : وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ والمعنى أنهم يعرضون عن كل باطل ، وقد فسر اللغو بالشرك وبالمعاصي وبكل ما لا خير فيه ، فالمؤمن في صلاته يجتنب ذلك كله ثم قال سبحانه : وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ والزكاة هنا تشمل زكاة المال وزكاة النفس ، وهكذا المؤمن يزكي نفسه بطاعة الله ورسوله ويزكي ماله بأداء الحق الذي عليه ، ثم قال سبحانه : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فالمؤمن حافظ فرجه إلا من زوجته أو سريته وهي ملك يمينه ، وهكذا المؤمنة تحفظ فرجها إلا من زوجها أو سيدها وهو مالكها إذا كان لها سيد مالك ، فمن فعل الزنا أو اللواط أو أتى المرأة في دبرها أو في حالة الحيض أو النفاس أو تعاطى العادة السرية- وهي الاستمناء- ولم يحفظ فرجه صار عاديا أي ظالما ، فالمؤمن يأتي زوجته في قبلها في غير الحيض والنفاس وفي غير الإحرام بل في الوقت الذي أباح الله له أن يأتيها فيه ، ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ[45] رَاعُونَ هكذا المؤمن والمؤمنة يحفظ الأمانة ويؤديها ولا يخونها أبدا عملا بهذه الآية وبقوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا[46] وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[47] فلابد من أداء الأمانة ورعايتها وقد عظم الله شأنها فقال سبحانه : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[48] فالأمانة أمرها عظيم ، والأمانة أمانتان أمانة الله ، وأمانة العباد ، فعليك أن تؤدي أمانة الله من صلاة وصوم وغير ذلك من الفرائض على الوجه الذي شرعه الله ، وعليك أن تؤدي أمانات الناس من ودائع ورهون وعوار وغير ذلك ، فعليك أن تؤدي الأمانتين وترعاهما بكل صدق وبكل حرص وبكل عناية ، وقال سبحانه في سورة المعارج : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ[49] والمعنى أنهم لا يزيدون عليها ولا ينقصون بل يؤدون الشهادة كما أمر الله بدون زيادة ولا نقصان ولا كتمان ، عملا بهدى الله وبقوله سبحانه وتعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [50] والشهادة بالزور من أكبر الكبائر ، فالمؤمن والمؤمنة يشهدان بالحق الذي عندهما لا يزيدان ولا ينقصان ، ولا يكتمان الشهادة بل يؤديانها كما حفظا وكما رأيا وكما سمعا ، ثم قال سبحانه : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ[51] هكذا المؤمنون والمؤمنات يحافظون على الصلاة ويؤدونها في وقتها فالرجل يؤديها في الجماعة كما أمر الله بذلك ، والمرأة تؤديها في بيتها في وقتها كذلك ، وكل ما تقدم من الأخلاق التي أمر الله بها يجب على كل مؤمن ومؤمنة مراعاتها والمحافظة عليها ، وقد وعدهم الله سبحانه على ذلك بالفردوس الأعلى في دار النعيم في قوله سبحانه في خاتمة الآيات : أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[52] ويقول سبحانه في سورة الحجرات : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[53] فمن أخلاق المؤمنين والمؤمنات الصدق واليقين الكامل في إيمانهم بالله ورسوله وبكل ما أخبر الله به ورسوله ، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، وقال سبحانه في سورة الأحزاب : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[54]

هذه الصفات هي صفات المؤمنين والمؤمنات وأخلاقهم ذكرها الله سبحانه في هذه الآية ترغيبا فيها وحثا عليها وهي عشر صفات لأهل الإيمان من الرجال والنساء فقال تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وهم الذين دخلوا في الإسلام ووحدوا الله وانقادوا لشرعه واعتقدوا الإسلام ودانوا به وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يعني أنهم مع خضوعهم لله ظاهرا هم مؤمنون أيضا بالقلوب ومصدقون لا كالمنافقين .

وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ القنوت دوام الطاعة يعني أنهم مع إسلامهم وإيمانهم استقاموا على طاعة الله ورسوله . وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ والمعنى أنهم صابرون على طاعة الله وعلى ترك معصيته رجالا ونساء ولا شك أن الصبر من أخلاق المؤمنين والمؤمنات فهم صابرون على الطاعة ، وصابرون عن المعصية ، وصابرون على المصائب وهذه أنواع الصبر فمن استكملها استكمل دينه .

وقوله : وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ والمعنى أنهم خاشعون في طاعة الله ورسوله ، فهم يؤدون صلواتهم في خشوع وخضوع وطمأنينة ، وهم مع ذلك متواضعون في جميع أعمالهم غير متكبرين ولا فخرين ، عملا بهذه الآية الكريمة وبالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد)) رواه الإمام مسلم في صحيحه . وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ يعني أنهم مجتهدون في الصدقة والإحسان بالمال والنفس والجاه ، يتصدقون بكل ما يستطيعون حسب الطاقة .

وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ كذلك فالصوم من أعظم الطاعات ومن أخلاق المؤمنين والمؤمنات وصوم رمضان هو أحد أركان الإسلام ، وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ المعنى أنهم يحفظونها عن الزنا وعن كل ما حرم الله .

وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ هذه من صفاتهم وأخلاقهم العظيمة . فعليك يا عبد الله ، وعليك يا أمة الله العناية بهذه الأخلاق العظيمة التي أثنى الله على أهلها وأعد لهم المغفرة والأجر العظيم . وقال سبحانه في سورة الذاريات : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[55] هذه الصفات من أخلاق المتقين العظيمة : التهجد بالليل والاستغفار في السحر والصدقة للسائل والمحروم وهو الفقير .

وقال تعالى في سورة الحديد : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ[56] هذه أيضا من أخلاقهم العظيمة : الإنفاق مما جعلهم الله مستخلفين فيه حسب الطاقة وقد وعدهم الله على ذلك بالأجر الكبير ، فعليك يا عبد الله ، وعليك يا أمة الله التخلق بهذه الأخلاق العظيمة .

ويقول سبحانه في سورة الملك : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ[57] فالخشية لله أمرها عظيم وعاقبتها حميدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)) فلا بد من خوف الله وخشيته مع رجائه وحسن الظن به في جميع الأحوال حتى يؤدي المؤمن والمؤمنة ما أوجب الله ويدع ما حرم الله عن إيمان بالله سبحانه وخوف منه ورجاء لفضله ، وهذه الصفات من أعظم الأخلاق وأهمها وأنفعها للعبد في دينه ودنياه ، وهي أن يخشى الله ويراقبه ويرجو فضله وإحسانه مع القيام بحقه وترك معصيته أينما كان ولقد صدق من قال :

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها وبقاء حكمها ودولتها ، ويقول آخر :

وليس بعامر بنيان قوم إذا أخلاقهم كانت خرابا

ومما ذكره الله سبحانه وتعالى من صفات أهل الإيمان وأخلاقهم يعلم أن الأمة لا تستقيم إلا بهذه الأخلاق ولا تقوم دولتهم إلا بهذه الأخلاق ، فلابد من التواصي بهذه الأخلاق من الدولة والأمة حتى ينصرهم الله ويعينهم على عدوهم وحتى يحفظ عليهم دينهم ودنياهم وأخلاقهم وصحتهم وملكهم وقهرهم لأعدائهم .

فالأخلاق التي شرعها الله ودعا إليها وبعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم إذا استقامت عليها الأمة حاكما ومحكوما كتب الله لهم النصر وأيدهم بروح منه ونصرهم على أعدائهم كما جرى لسلفنا الصالح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فقد نصرهم الله على عدوهم مع قلة عددهم وعدتهم وفتح عليهم الفتوحات العظيمة وأيدهم بنصر من عنده كما وعدهم سبحانه بذلك في قوله عز وجل : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[58]

وفي قوله سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[59] هكذا حصل لهم النصر لما استقاموا على الأخلاق العظيمة التي مدحها الله وأمر بها ، لما استقاموا وتواصوا بها نصرهم الله وملكوا غالب الدنيا وقهروا العالم وأدت لهم الجزية اليهود والنصارى والمجوس ، وأدى الخراج لهم آخرون من الكفار حتى ملك الصين ، إذ بلغت الدولة إلى هناك إلى أقصى المشرق وإلى أقصى المغرب ، فمنهم من أدى الخراج ، ومنهم من أدى الجزية ومنهم من دخل في دين الله بسبب قوة المؤمنين وأخلاقهم العظيمة التي مدحها الله وأوصاهم بها ، فلما قام بها ولاتهم وأمراؤهم وعامتهم وعلماؤهم استقام لهم الأمر وخافهم عدوهم ونصرهم الله عليه ، وفتحوا البلاد ودانت لهم العباد وأقاموا شرع الله في بلاد الله حتى بلغ ملك هذه الأمة أقصى المغرب وأقصى المشرق كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث ثوبان رضي الله عنه المخرج في صحيح مسلم ، فلما غير الناس غير الله عليهم وأخذ العدو بعض ما في أيديهم ، ومتى رجعوا إلى ربهم وأنابوا إليه واعتصموا بدينه رجعوا إلى دينهم واستقاموا عليه- رد الله لهم ما كان شاردا وأصلح لهم ما كان فاسدا ونصرهم على عدوهم ورد عليهم ملكهم السليب ومجدهم الغابر . فالواجب على الحكام والأمراء والعلماء

والأغنياء والفقراء الإنابة إلى الله والرجوع إليه والتمسك بالأخلاق التي أوصى الله بها عباده ، والحذر الحذر من الأخلاق التي نهى الله عنها ، فمتى استقام الجميع وتعاونوا على البر والتقوى وتواصوا بهذه الأخلاق في جميع الأحوال في الشدة والرخاء في السفر والإقامة أيدهم الله ونصرهم على أعدائهم وأعطاهم الملك العظيم ورد إليهم ما سلب منهم وأصلح لهم ما فسد وهابهم أعداؤهم وخضعوا لهم وأدوا لهم الجزية والخراج خوفا من قهرهم لهم أو دخلوا في الإسلام كما جرى لسلفنا الصالح ، فوصيتي لكل من قرأ هذه الكلمة أو سمعها ، ولكل من تبلغه أن يتقي الله وأن يراقبه سبحانه أينما كان ، وأن يتمسك بالأخلاق التي أمر الله بها وأثنى على أهلها في القرآن العظيم أو أقرها أو أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة ، فيشرع للمسلم أن يلزمها وأن يستقيم عليها وأن يوصي بها إخوانه وأن ينصحهم بها أينما كانوا ، وأن يحذر الأخلاق التي ذمها الله وعابها ، أو ذمها رسوله محمد عليه الصلاة والسلام ليحذرها ولينهى عنها وليوصي إخوانه بتركها ، وهذا هو معنى قوله جل وعلا :

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[60] وهذه الآية جامعة لجميع الأخلاق الفاضلة ، ثم قال سبحانه في ختامها أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[61] ومن رحمة الله لهم أن ينصرهم ويؤيدهم على عدوهم ، ومن رحمته أن يكفيهم شر الأعداء ، ومن رحمته أن يعينهم على هذه الأخلاق ويوفقهم لها ، ومن رحمته أن يدر لهم الأرزاق وينزل الأمطار وينبت لهم النبات ويعطيهم كل ما يطلبون ، ومن رحمته سبحانه إدخالهم الجنة وإنجائهم من النار كما قال سبحانه بعدها : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[62] هذا هو جزاؤهم في الآخرة ، وفي الدنيا رحمة ونصر وتوفيق وتأييد ، وفي الآخرة رحمة لهم بإدخالهم الجنة ونجاتهم من النار .

أسال الله بأسمائه الحسنى أن يوفقنا وإياكم للتمسك بهذه الأخلاق التي مدحها الله وأمر بها وأثنى على أهلها وأن يوفقنا وجميع المسلمين في كل مكان وجميع ولاتهم وقادتهم في كل مكان من مشارق الأرض ومغاربها للتمسك بهذه الأخلاق العظيمة الفاضلة ، وأن يجنبنا وإياهم جميع الأخلاق المذمومة وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وأن يصلح قادة المسلمين وشعوبهم في كل مكان ، وأن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير ، وأن يعينهم عليه وأن يجمع كلمتهم على التقوى وأن ينصرهم بالحق وينصر الحق بهم ، وأن يفقههم في دينه ، وأن يثبتهم عليه ، وأن يصلح لهم البطانة ويعينهم على كل خير ، وأن يكثر أعوانهم في ذلك إنه سميع قريب ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان .

هل من المفترض أن أقرأ كل هذا؟

رجاء أجعل ردودك أقصر وأدق في أهدافها وقربها للموضوع ولا تتشعب هكذا.