فتيات الغرفة رقم 11.....رواية بقلمي
فتيات الغرفة رقم 11
الفصــل الأول
-أقدار-
-كنتُ أقرأ رواية لجين أوستن حين لفتَ إنتباهي صوته و هو يخاطــب صديقه بثقة:سأخبرك بأحداث هذه الكتاب من صورة الغلاف دون حاجة لتصفحه
-وماأدراني بأنك لم تقرأه من قبل ؟
-رواية " أقدار " لفيولييت, لا لم أفعل , تعرفني لست ُ من هواة المطالعة .
لكننّي فعلتُ أنا - هذا ماقلته في نفسي- و مازلت أتذكر صورة الغلاف الرومانسية كانت لفتى يحتضن فتاة بكل حب ...
-حسنا تفضل ياعبقري زمانك!
-أمممم لنرى هي قصة حب , حب من طرف واحد أنظر لعيون الفتى كيف يغمضها وهو يضمها بكل حنان ,هو عاشق ولهان لكنه غبي
-كيف, أرى الفتاة مستسلمة بحب, هي خائفة فقط ؟
-تأملْ الفتاة , أنظر لعيونها جيدا ,و أنظر ليديها ,هي تبدو مرهقة من التفكير و ليست خائفة
أنظر لعيونها البادرة مائلة الى ناحية اليمين , بينما لو كانت عاشقة كانت ستنظر لناحية صدر حبيبها و تضمه بنعومة
يدها المرتخية تعني أنها لا تشعر بحرارة اللحظة و لا حلاوة الموقف ,أصلاً الفتاة العاشقة تغمضُ عينيها عندما تلمسُ روحها حضن حبيبها
هل رأيت عينيه هو ؟ هو عاشق جدا,واصل ضاحكا ً...
-حسنا كيف تفسر إذن إستسلامها له؟
-إنّه صديق طفولتها ,حكتْ له هجر وقسوة حبيبها وهو في لحظة ضعف أظهر مشاعره بكل عنف فإحتضنها بتلك القوة ليواسيها
لو كنتُ مكان الرجل لمنحتها حضني و عيوني مفتوحة أفكر بعمق كيف أجعلها سعيدة مع حبيبها ,هذا هو حبي الدافئ الذي ينبع من قلبي
و ليس مثله إستغلّ الموقف و أدْفَقَ أنانيته .
-لكن هل أخبرها بمشاعره ,هل هي تعلم بحبه لها ؟
-هو لم يعترف لها,الموقف لا يسمح له بذلك , لو يعترف بمشاعره لها في هذه اللحظات الحزينة سيخسرها للأبد,ستخسر ثقتها به كصديق
هي تعرف أنه يحبها لكنها لا تبادله الشعور فقط لأنه مستسلم لها ، قلبها تعلّق بالآخر لأنه تمنّع عنها ,هي ستفتقده بشدة عندما يختفي من حياتها
هكذا هم بعض البشر لا يعرفون قيمة الشيء حتى يفقدونه.
صَحْ هو ماتقول تماما!, دونما إنتباه وجدتني أتَدخلُ في حديثهما,إلتفت إلي حينها,إبتسم لا أدري هل إبتسمت شفتاه أم عيناه ,لكن الأكيد أن قلبي إرتبك فتسارعت دقــاته
وأحمرتْ خدودي خجلا فأنطلقت هربا من الموقف السخيف خارج المكتبة ...
وصلتُ للغرفة ,كانت "وردة " الحنونة هناك ,إرتميت عليها كعادتي لما تصيبني نوبة ما
-مابك مريم ؟
-لقد وقعتُ في الحــب !
ضحكت وردة بصوت مرتفع ثم قالت : روحي تناولي عشاءك ونامي باكرا وبعدها ستستيقظين من النوم ومن الحب أيضا وإستمرت بالضحك...
التعليقات
على الرغم من إعجابي الشديد بالحوار الذي دار بين هذين الشخصين، لا أعتقد أنه حوار تقليدي قد يدور بين أي رجلين لأن الرجال بطبيعتهم لا يفهمون كثيرا في تحليل العواطف والنظرات والتلميحات إلا إذا كانت تلك مهنتم، يعمل كمحلل نفسي مثلا أو مدرب للغة الجسد. أعتقد أن معظم الرجال سطحيون للغاية ولا يهتمون لهذا العمق في المشاعر.
الفصـــل الثاني
-إلاّ هو-
قد يحصل وأن تقع في حب شخص تعرف جيدا أنه لن يكون لك وأنه حب بلا أمل وسيبقى من طرف واحد للأبد , ورغم ذلك تستمر في الحب وكأنك تستمتع بتعذيب نفسك ,و تستلذ بألام
و أشواق حارة هي منكَ ولكَ فقط ,لأن من تحب غير مبالي بك و قد لايعرفك أصلا ليهتم بمشاعرك.
هذا كان حال أغلب بنات الثانــوية مع محبوبهم الوسيم ,أتذكرُ أني حين رأيته أول مرة إعتقدت أني أحلــم و قلت هل أنا في أثينا ؟ كان يشبه أبطال اليونان الأسطوريين الخيالين
وهناك عرفتُ لأول مرة معنى الحب من النظرة الاولى رغم أن النظرة كانت مني فقط ,فهمتُ حينها لماذا الكون جميل ولماذا السحاب يرسم لي قلوبا ولماذا لنجوم تسكن السماء في عز النهار
ولماذا تطير الفراشات الملونة وتحملني معها عاليا حيث يقف هو مبتسما مع أصدقائه ,لمّا سمعت صوته ذا البحة العذبة صرتُ كمن ألقيتْ عليه تعويذة سحــرية أبدية ...
لا أدري لماذا مرت ببالي هذه الذكرى حين إستيقظتُ مع الصباح على رائحة القهوة السوداء ... ربما لأن فتى المكتبة صاحب البسمة الحنونة والعيون المثيرة ذكرني به ,ليس لأنه وسيم مثله بل لأني أدركتُ أن ماحصل لي معه يشبه تماما ماحدث أيام الثانوية ,مع أني لم أعد تلك الفتاة المراهقة التي يهمها شكل الوجه مهما بلغت جاذبيته,والتي تحلم بفارس أمير يحملها على حصان أبيض مثل بطلات القصص الرومانسية , فقد حلمتُ به ووقعت في حبه طيلة مساء كامل و تمنيته لي و أنا أدرك تمام الإدراك أنه رجلا مثله
لن يكون من نصيبي أبدا ,فهناك أمور بديهية مفروغ منها لاتحتاج لإحتمالات ولالأمنييات خادعة ,فهمتُ ذلك وإستعدتُ السيطرة على قلبي من جديد ,لحظتها عادت وردة للغرفة
-صباح الخير
-صباح النور ,كيف حال عاشقتنا ؟
-بأفضل حال .
-هل نسيت محبوبك بهذ السهولة ؟
-نعم و وواصلتُ ضاحكة أعترفُ أن وقتا طويلا سيمر قبل أن أنسى بسمته و عيونه لكّني لم أعد عاشقة , فرجل مثله لن يحب إمرأة مثلي..
نظرت لي وردة بحنان:أنت فتاة طيبة ومتميزة و تستحقين أفضل الرجال
-إلاّ هو, قل
ت ذلك بكل ثقة و إستسلام .
الفصل الرابع
-وفاء-
-المقولة التي تقول أن لكل شخص من إسمه نصيب وقد يعبر تماما عن شخصيته صحيحة جدا عندما تذكر " وفاء " كانت مثالا للوفاء في كل شيء
وفية لطباعها , لحبها, لصديقاتها , لعاداتها ,للحلوى المفضلة لديها , حتى دراستها بقيت وفية لها إذ أنها بقيت ثلاثة سنين في السنةالأولى
بسبب مادة الإحصاء ومسائل الإحتمالات المزعجة التي بذلت كل جهدها في فهمها ولم تنجح؛ كان صعبًا على عقلها أن يستوعب أن هناك إحتمالات غير الوفاء
لذاضاعت سنين من حياتها بسبب مسائل إحتمالية ...
ونحن سنتخرج جميعا هذا العام لكنها ستبقى لوحدها مع فتيات جديدات قد يقدمن للغرفة 11 لأنها حتما لن تتركها هي...
كيف هي وفاء شكلا ؟
أبسط وصف لها أنها هادئة الملامح لدرجة مملة وكئيبة , عيونها خليط بين الأخضر والبني .بيضاء ,شعرها ليس أسودا ولا أصفر ,أجمل شيء فيها قدها؛ قدها المياس كما تقول الأغنية...
كانت تجيد الطبخ ,تنظم أشيائها كأنها في ثكنة عسكرية , مرتبة, نظيفة , تثق بها وتستريح لها دون عناء ,كانت هي من أبوح لها بكل أسراري الخطيرة والتافهة
كانت مرآة أعكس عليها نفسي و لاتخذلني دوما فقد كانت صادقة و وفية , من لايعرفها جيدا يشعر معها بالكأبة والملل لأنها من النوع الصامت الكتوم لا تتكلم إلا فيما يفيد
ليست ممن يتغامزن و يتهامسن كانت مثالا للأدب و للإنضباط وللإخلاص...
كانت هي أول من تقربت لي وأحاطتني بحبها, وكانت مثالا للطيبة والأدب وللرضا ,وحدث بعد أن فشلت ْفي إجتياز العام الأول أن تأثرت نفسيتها كثيرا خصوصا بعد وفاة أمها
وفي تلك الفترة الحرجة
دق قلبها لأول مرة ؛ لكنه للأســـف دق للرجل الخطأ و طبعا بقيت وفية له رغم كل عيوبه التي لاتعد ولاتحصى,لم تكن تنتظرشيئا أو تطلب حلما أو تنشد أملا
هي وقعت في الحب بكل قوة ولم تستطع إلا أن تكون وفية ولو على حساب عمرها الذي تنبأت له بأنه سيضيع؛ فرجل مثله لن يتزوج أبدا سيموت وحيدا كما عاش طيلة عمره وحيدا..
-هل يوجد إنسان كامل لاعيوب فيه ؟طبعا لا ,وهل يجوز إطلاق الأحكام المطلقة على الأخرين دون أن تتعمق بدواخلهم وتعرفهم حق المعرفة ,لا يجوز , ورغم ذلك كنت أفعل , كان ذلك عيبي ا لكبير,كنتُ متسرعة في الحكم عن الأشخاص وأصدرُ تعليقات تكون جارحة جدا في بعض الأحيان على أناس لا أعرفهم,فأحكم عليهم من طريقة لباسهم أو تصرفاتهم أو من كلامهم مرات ومن شكلهم في مرات أخرى...
وعلى قدر محبتي لوفاء ووردة كرهتُ الرجلين اللذين وقعا في حبهما , لذاكنت أعدُ عيوبهما وأزعجهما بالسخرية منهما على أمل أن يتوبا عن حب يبدو فاشلا و سيجلب
لهما ألما و جراحا قد لاتندمل أبدا لكن لا أمل فالحب أقوى من أي نصح ...
الفصل الثالث
-وردة-
كم أحب القهو ة السوداء وكم أحب وردة التي تُعِدها, لطالما إعتنت بي وأحاطتني بحنان صادق ...
تسمعني , تفهمني ,تتحمل نوباتي الغريبة,حتى أنها ترتب أغراضي و الفوضى التي أخلفها دائما في الغرفة دون أن تشعر بالإنزعاج أو الدونية
كان شكلها يبعث الطمائنية والأمان ,سمينة,بيضاء ,ضحكتها طفولية لم تكن جميلة جدا ولا مثيرة لكن طيبتها وأدبها جعلتنا جميعا في الغرفة 11 نحبها
ونحترمها ,كانت على علاقة حب قديمة مع شخص من مدينتها ,كان يزورها في الجامعة مرات بعد.ان خطبها ,لم يعجبني أبدا,كان أشقرا ويبدو لي ثقيل الظل ,سميته الألماني المكشر فمن يراه يعتقد أنه
لايعرف كيف يبتسم ويستحيل أن يبتسم ,رغم أن الخبث والكبر كان واضحا جدا عليه فوردة العاشقة لم تر ذلك, أليس الحب أعمى كما يقولون؟
كانا يبدوان كتوأم تماما من ناحية الشكل ,كنت أمزح دائما معها وأخبرها كيف سيكون أطفالها لو تزوجت ذلك المكشر ...
كنا ندرس معا في كلية الأداب واللغات الأجنبية وكلانا فشل في إجتياز العام الأول هي لأن قدراتها كانت محدودة ولم تكن ذكية كفاية وأنا لأني كنت كسولة ولامبالية
وقد عزمت منذ الأيام الأولى لدخولي للجامعة بأني لن أدرس فرغم أن الأمــل و الشوق و التحدي كان يملأني لأبدأ مرحلة جديدة في مدينة بعيدة وفي تخصص دراسي صعب..
لكن حين دخلت ٌ أخيرا للغرفة رقم11ولما إجتمعتُ مع كل تلك الفتيات المختلفات في تلك الغرفـــة الصغيرة ,أصبتُ بصدمة غريبة عجيبة
كنتُ أقول لنفسي ماهذه الكائنات الغريبة ؟ وما الذي أفعله أنا هنا ؟كانت تلك أول ليلة أقضيها بعيدا عن أهلي, هل نمت ؟لا لم أفعل , بقيت ساهرة وصامتة لم اكلم أي واحدة منهن ومع خيوط الصباح الأولى جمعتُ أغراضي وحقيبتي الثقيلة وإستقليت ٌ أول سيارة أجرة عائدة لقريتي,لقد عزمت أن لاأعود مجددا, إنتهى لن أبتعد عن أهلي مجددا ولن أكمل دراستي الجامعية ,عندما وصلت للبيت بدأت بالبكاء مثل الأطفال,لا أريد العودة لا لا لا ,أمي البريئة تعاطفت معي أما أبي فقد غضب وثار وكان يعرف جيدا كيف يؤثر فيا ,لقد أغمي عليه ومرض بل إدعى المرض و بالغ فيه كثيرا...
كنت بين نارين,لو لم أعد لكان خاصمني طيلة حياته , ولعشت جحيما لا ينتهي بعد يومين من التوسل و الغضب قبلت بالعودة بشرط أن أكمل العام الأول فقط ثم أنتقل لجامعة أخرى,طبعا وافق أبي ظنا منه أنه مجرد كلام و أنني سوف أتعود و سيعجبني الأمر ,لم يكن يعرف أني عنيدة جدا و لما أقرر لا مجال للتراجع ...
الأن و أنا أجلس مع إحدى تلك الكائنات الغريبة "وردة " أتعجب من جنوني في تلك الفترة سألتها :
-هل تذكرين أول ليلة لنا هنا ؟
-وهل تنسى تلك الليلة...
لما إستيقظنا صباحا ولم نجدك,جميعا إعتقدناك مجنونة أو أصابك مس ما و جزمنا بعدم عودتك, إلا وفاء أكدت أنك ستعودين وستبقين ...
-وفاء, ما أروع تلك الوفاء ..