يقول المخرج  برغمان:

«الكاميرا ترى ما لا يقوله الممثل، ودمعة واحدة صادقة أهم من عشر صرخات».

توقفت عند هذه العبارة.. وأنا جالسة في غرفة انتظار دوري عند الطبيب .

المكان هاديء ..والناس منشغلون بهواتفهم .. 

كانت بجانبي  سيدة تتابع مسلسل «أمي» في هاتفها .. ومن صوت ( مريم ) عرفت العمل قبل أن ألتفت إلى الشاشة. 

 وقتها شعرت بالانتماء ..وأخبرتها أن المسلسل ومريم ( العنود سعود ) مرشّحان لجائزة جوي أوورد .. 

فابتسمت وقالت : يستاهلون المسلسل مختلف جداً وقالت أنها مشدودة له  ، لكنها قالت ملاحظة : 

أحس إن مشاهد الحزن والبكاء كثيرة، وأن هذا أول ما لفت انتباهها أثناء المتابعة.

من هنا بدأت أروي لها  تجربة العنود عبر أكثر من ٩٠ حلقة. 

فالبكاء هنا ليس اختباراً  للصوت ولا للدموع، بل امتحان حقيقي لعمق الأداء. 

لم يكن حالة واحدة تُعاد، بل مساحة تتبدّل مع المسار النفسي للشخصية. 

السؤال ليس: كم مرة بكت ..؟ 

بل: كيف بكت ..؟!

وهل تغيّر شكل الدموع مع تغيّر وعي الشخصية والأزمات التي مرت بها ؟

في أدائها نلاحظ أن البكاء يتغير ..

مرة يأتي إنكار  بصوت مكسور وعينين جامدتين ..ومرة كبت بلا دموع مع نفس مخنوق، ومرة انهيار يفقد الجسد فيه توازنه، ومرة استسلام هادئ بدموع بطيئة. 

هذا التنوع يحوّل الدموع من تكرار إلى لغة داخلية تعبّر عن تطوّر الدور في داخل الفنانة .

وفي عمل يمتد إلى هذا العدد من الحلقات، لا تصبح الدموع عنصر قوة إلا حين تعكس تراكماً نفسياً حقيقياً متماشياً مع الاندماج التام في الدور  . 

ومع العنود نشعر أن البكاء امتداد لمسار طويل من الخيبات والتحوّلات عبر الحلقات، لا ردّة فعل جاهزة، وهو ما يجعل الشخصية تنمو أمام المُشاهِدين بدل أن تعيد وتكرر نفسها.

في مشاهد كثيرة للعنود، البكاء حاضر نعم، لكن الإحساس الذي يصل إلينا في كل مرة مختلف. 

لا نتابع دموع متشابهة، بل نعيش حالات نفسية متجددة ..

مرة نتعاطف، ومرة نتألم، ومرة نكاد نفهم معنى قلة الحيلة من دموع عينيها قبل أن تتكلم . 

ولهذا لا يشعر المتلقي بالملل ولا بالرتابة، لأن البكاء أصبح مساحة اندماج وليس تكرار، ويشعر المشاهد أنه يرى مشهداً مختلفاً في كل مرة.

ثم سألتها : هل شعرتِ أن أداء العنود كان يأخذكِ كل مرة إلى إحساس مختلف..؟

فقالت ببساطة: إي والله، كل مرة تبكيني .

فقلت لها: اللي يبكيك مرة قد يكون صدفة ..لكن اللي يبكيك كل مرة هذا فن وصدق وإحساس .

وحين نادوا اسمي للدخول ..تركتها وهي تتابع الحلقة بصمت مختلف… صمت من بدأ يفهم .. لا من يكتفي بالمشاهدة .. كان هذا واضحاً من حجم الدموع في عينيها .

( كان مشهد زيارة حلا لمريم في السجن وبينهم الحاجز الزجاجي ، حلا تذرف دموع الاشتياق ومريم دموع العجز والقهر ) .