العلاقة بين النحل والإنسان

د / دلال مصلح الجدعاني - عضو هيئة التدريس- بقسم علوم الأحياء- كلية العلوم - جامعة جدة.

تشير تقديرات العلماء والمبنية على استنتاجات من خلال دراسة الحفريات والأثآر والصور والنقوش والتي دونها الإنسان إلى أن علاقة الإنسان الأول بالنحل ترجع إلى حوالي مليون سنة، حيث كان الإنسان في ذلك الوقت يعتمد كلياً على المصادر الطبيعية من نبات وحيوان للحصول على الغذاء والكساء. ومن نشاطاته في الحصول على الغذاء والسطو على أعشاش النحل البرية لجمع العسل.

 يرجح أيضاً أن العلاقة بين الإنسان الأول والنحل قد ظهرت أولاً في بعض المناطق بآسيا (الهند) ثم أفريقيا منذ 600,000-8000 سنة فأوروبا منذ 8000-4000 سنة.

من العلماء الذين اهتموا بدراسة تطور تربية النحل عبر عصور التاريخ وحتى الآن العالمة الانجليزية ايفا كرين Eva Crane والتي قامت برحلات عديدة لمختلف أقطار العالم خاصة المناطق التي تعتبر الموطن الأصلي للنحل ثم وضعت من خلال رحلاتها ودراساتها تقسيماً لمراحل تطور تربية النحل كما يلي:

(1-1) المرحلة الأولى تتضمن كل ما عرف عن النحل حتى عام 1500قبل الميلاد.

الاهتمام بتربية النحل:

كان النحل خلال هذه الفترة الطويلة يعيش معيشة برية متخذا من الجبال والأشجار والكهوف سكنا له، وكان الإنسان يسطو على الأعشاش البرية لأخذ ما بها من عسل وربما قام بحرق النحل أو قتله أو طرده ثم جاءت فكرة المحافظة على الطوائف بإسكانه في خلايا ووضعها في أماكن خاصة تعرف بالمناحل.

 تشير الأثآر والتي يرجع تاريخها إلى 2500 سنة قبل الميلاد أن الإنسان المصري القديم قام بتربية النحل في نوع بسيط من الخلايا الاسطوانية الشكل صنعت من الطين بطول 35 سم مع وجود فتحة أمامية لسروح النحل كما تشير الرسومات والنقوش إلى أنه استعمل الدخان لتهدئة النحل عند جمع الأقراص وأنه مارس النحالة المتنقلة أو المترحلة باستخدام القوارب حيث كانت تتجه هذه القوارب من مصر السفلى إلى مصر العليا حيث الإزهار المبكر للنباتات بمصر العليا ثم تتجه عائدة إلى الشمال عند بداية التزهير بمصر السفلى.

في المناطق الجنوبية من أوروبا أهتم اليونان والرومان 750 قبل الميلاد بتربية نحل العسل واستعملت خلايا من الطين أكبر حجما من تلك التي استعملها القدماء المصريين، وبانتشار النحل في شمال القارة الأوربية 100 قبل الميلاد. حيث الغابات الشاسعة تنوعت تصميمات الخلايا بما يلائم كل مجتمع فصنعت الخلايا من جذوع الأشجار بعد تجويفها وقطعها بأطوال معينة وغلق الخلف والأمام فيما عدا فتحة صغيرة لسروح النحل. صنعت كذلك خلايا من طين على هيئة قدور أو على هيئة أنابيب اسطوانية وفي بعض المجتمعات الزراعية استعمل القش بعد جدله في صنع خلايا متعددة الأشكال (على هيئة سلال) وكانت في الغالب صغيرة الحجم بحيث تحمي النحل من المؤثرات والعوامل الخارجية وتوفر له الحماية من الأعداء ولم يكن يطمع المربي حينها إلا في الحصول على مقدار ضئيل من العسل.

الاهتمام بالنحل من ناحية البحث العلمي:

بدأ الاهتمام العلمي بنحل العسل بدراسات أولية وملاحظات عن طباعه وتربيته منذ العصر اليوناني والروماني وإليهم يرجع الفضل في التوصل إلى كثير من المعلومات والحقائق حول نحل العسل.

 أشار أرسطو (384-322 قبل الميلاد) إلى أن هناك ثلاثة أنواع مختلفة من النحل بالطائفة، وهي التي عرفت فيما بعد بالذكور والشغالات والملكة. لاحظ أيضا أن النحل يقوم بجمع حبوب اللقاح إلا أنه كان يعتقد أنه شمع النحل. ووصف عملية بناء الأقراص الشمعية بدقة، كما لاحظ جمع النحل للماء وتقسيم العمل بين أفراد الطائفة وذكر أن اليونانيين استعملوا خلايا القش في تربية النحل.

(1-2) المرحلة الثانية وهي الفترة التي تقع ما بين 1500-1850 ميلادي:

شهدت هذه الفترة تطورا ملحوظا في تربية النحل حيث توالت الأبحاث والدراسات من أوروبا وأمريكا على يد كثير من العلماء لتكشف المزيد من أسرار هذه الحشرة ومعرفة طرق تربيتها وتحسين إنتاجها.

 في ألمانيا تمكن العالم جيكوب عام 1586 ميلادي من معرفة أن النحل يمكنه تربية الملكات من البيض أو يرقات الشغالة الصغيرة السن.

 في بريطانيا أشار بتلرعام1609 ميلادي إلى أن الشغالة عبارة عن إناث ولاحظ وجود قشور الشمع على جسم النحلة.

 في هولندا نشر العالم سوامردام عام 1732 ميلادي دراسات عن دورة حياة نحل العسل.

 في ألمانيا قام بوستك عام 1749ميلادي بوصف عملية إنتاج الشمع.

 في بريطانيا تمكن دوبس عام 1750 ميلادي من معرفة أهمية حبوب اللقاح للنحل.

في النمسا عام 1771 ميلادي تمكن جانشا من وصف طريقة تلقيح الملكات.

 ثم جاء العالم البولندي دزروزن واكتشف ظاهرة التكاثر البكري أي التكاثر بدون حدوث إخصاب للبويضات وأن ذلك يظهر عند إنتاج ذكور نحل العسل كما أكتشف بعض الأمراض التي تصيب النحل في عام 1848 م.

بالإضافة إلى ما ذكر أجريت محاولات علمية عديدة والكثير من التجارب للوصول إلى أفضل طرق التربية بحيث تجمع الأقراص دون الإضرار بالنحل والمحافظة على الطائفة. أدى انتشار النحل في العالم الجديد (أمريكا) وجهود كثير من العلماء فيها أيضاً إلى الإسهام بدرجة كبيرة في تقدم تربية النحل.

(1-3): المرحلة الثالثة من بعد عام 1850 وحتى اليوم:

خلال هذه الفترة حدث تطور كبير ونهضة واسعة في تربية النحل في أرجاء العالم وكان من أكبر علماء الفترة المبكرة من هذه المرحلة العالم الأمريكي لانجستروث والذي يلقب بابي التربية الحديثة للنحل والذي عاش في الفترة من 1810-1895 ميلادي ومن أهم ما توصل إليه اكتشافه للمسافة النحلية ومقدارها من 7-9 مم وهذه المسافة تسمح بتحرك النحل دون الاحتكاك ببعضه وبناء على هذا الاكتشاف صمم خليته المعروفة باسمه اليوم وهي خلية خشبية ذات إطارات متحركة والتي توفر هذه المسافة بين الإطارات وبين أجزاء الخلية الأخرى .وقد لاحظ لانجستروتثأنه إذا اتسعت المسافة أكثر من ذلك فإن النحل يسرع في بناء الشمع في هذه المسافة ، وإذا ضاقت عنها تعذر المرور بين الأقراص الشمعية وأصبحت هذه المنطقة مرتعا لتجمع القاذورات وضعف التهوية وقد قام لانجستروث عام 1853 ميلادي بنشر أول طبعة من كتابه المعنون باسم الخلية ونحل العسل ضمنه كل ما وصل إليه من معلومات حول النحل ولا زال هذا الكتاب يصدر بطبعات مجددة من قبل علماء آخرين حتى اليوم ويعتبر من أهم المراجع في تربية النحل.

وهكذا تتابع العلماء في تقديم ونشر نتائج دراساتهم وأبحاثهم حول سلوك النحل وطباعه ونشاطاته داخل وخارج الطائفة ودراسة بيولوجيا وفسيولوجيا الأجهزة المختلفة في النحل. ومن العلماء المتأخرين الذين درسوا سلوكيات النحل العالم النمساوي فون فرتش والذي نال جائزة نوبل للعلوم عام 1973 ميلادي لدوره في اكتشاف ما يعرف بطرق الاتصال والتفاهم بين أفراد طائفة النحل أو لغة النحل كما بينت الكثير من الدراسات والأبحاث دور الفرمونات في سلوك النحل. ولازالت الدراسات والأبحاث حتى الآن جارية لمعرفة المزيد حول هذه الحشرة المباركة النافعة.

المصادر:

تم الاستعانة بالعديد من المصادر العلمية والمواقع الإلكترونية.