ثم ماذا بعد الموت؟!

  • Omar_Guerma

ذاك السؤال الذي يقضُّ المضجع ويسهد الأعين ويُذهب ألباب ذوي النُّهى والعقول المستنيرة والأنفس المستقيمة، فما حالنا بعد أن نشد رحالنا إلى عالم لا ندري عن ماهيّته إلا القليل؟

وما السبيل لطمأنة النفس حول أمر حتمي لابد لكل إنسان وطأ الخليقة أن يلقاه؟

ذاك الصراع المحتدم بين عقل يدفع صاحبه لجعل العقلانية منهجا له قيد حياته فيجعله مِمن يبنون أُخراهم ويعملون لها، وبين نفسٍ لا تكفُّ عن محاولاتها للرمي بصاحبها في مستنقعات الغيِّ النتنى مَن يقبعون فيها بريح ذنوبهم ومعاصيهم وما طالت أياديهم من جُرمٍ ومظالم في حق البلاد و العباد!

فمجرد مقاربة المرء محاولا ترويض هذا الإشكال أمر مستعصٍ في حد ذاته!

فلو حاولنا مقاربته من منظور علمي فالأمر شبه مستحيل، إن لم يكن مستحيلا أصلا!

فكيف للعلم النظري التجريبي المجرد على حداثته وتطوره أن يفسر لنا ظاهرة غيبية لا يمكن إدراكها بالحواس ولا بشتى أنواع الأجهزة المتقدمة التي لم تترك مجالا إلا وأحدثت فيه طفرة لم يُعرف لها سَبق؟!

ذلك بكل بساطة أن العلم البشري جد محدود فيما يتعلق بغيبيات الأمور، فكم من أشياء يدري المرء بوجودها لا عن طريق العلم التجريبي وإنما عن طريق التعاليم الدينية.

فمَن هو على نهج الإلحاد والملاحدة مِمن سبقوه، إن سُئِل يوما عما ينتظره بعد الموت لانفجر ضاحكا حتى تبدو نواجذه، ذلك لأنه لا يؤمن بالحياة الأخرى ولا ببعث المرء بعد موته!

فالإنسان كما يعتقد أهل الإلحاد هو مجرد حثالة عضوية تفنى بموت صاحبها وتخضع لما يُسمى بإعادة التدوير الطبيعي، فيعود المرء ترابا كما هو أصله، غافلين بذلك عن أمر جوهريٍّ لا يمكن إغفاله، وهو أن المرء عبارة عن جسد بيولوجي تدركه الحواس وتجري عليه قواعد العلم التجريبي، وروح تسكنه لا تخضع لتلك القواعد من قريب ولا من بعيد!

فمِن أبرز تجليات تكريم الإنسان في خلقته هو تلك الروح المودعة بداخله والتي لا تفنى بفنائه بل تُخلد إما في نعيم جَدَّ صاحبه وكَدَّ بُغيته، وإما في جحيم لا طاقة له به لما اقترفته يداه في دنياه!

أما أهل الإسلام فمنزلتهم مُنزهة عن تلك الشبهات وما جاورها لنزاهة دينهم وشفافيته في هكذا أمور، فالمسلم أدرى الناس بما ينتظره في الحياة الأخرى، مؤمنا بالبعث بعد الموت، وبالحساب الأخروي العادل الذي يرتبط بأعماله الدنيوية!

فهو يعتقد بوجود الجنة والنار، وعذاب القبر ونعيمه، والملائكة والجن وغيرها من الغيبيات التي لا تُدركها الأبصار، لكن اعتقاده أو يقينه ليس نتاج جهل أو عدم إدراك، بل هو نتاج إيمان بأن كل غيبيٍّ جرى ذكره على لسان ربنا صار يقينا قطعيا لا شك في قطعيته.

فالجنة غيبٌ لا يمكن إدراكه بالحواس المجردة، لكن وجودها قطعيٌّ لما ورد ذكرها في نص الكتاب والسنة، وكذلك النار والجانُّ والملائكة وغيرها من الأمور التي لا يمكن للمرء التعمق فيها عن طريق العلم التجريبي المجرد.

فالحياة الأخروية عند المرء المسلم تبدأ عند خروج الروح من جسد صاحبها، فيكون القبر بذلك أول منازلها، فهو إما روضة من روضاتِ الجنان المعجل نعيمها أو حفرة من حفر النار والعياذ بالله!

وما ذلك إلا نتاج عمله في دنياه، فإن كان من أهل الصلاح مِمن حسن عملهم في الدنيا كانت حياته البرزخية ضربا من ضروب النعيم، أما إن كان من أهل الطلاح عوقب بعذاب مُعجَّل في قبره قبل العذاب الأكبر معاذ الله!

والمتدبر في جملةِ ما قلناه لا يمكن أن يمر عليه مرور الكرام أبدا، فمجرد التفكير في أبديةِ الحياة الأخروية أمر في غاية الرعب!

فكيف للمرء أن يتحمل فكرة احتمال كونه من أهل العذاب في أخراه؟! وأن ذاك العذاب أمر أبديٌّ لا نهاية له؟!

فلا يمكن لذي نهية يُحكم عقله ويترفع به عن سفاسف الأمور ودسائسها إلا أن يجزع ولا يغمض له جفن لهول ما قد ينتظره!

ولا ينبغي له إلا أن يكون أول المبادرين للأعمال عندما يتعلق الأمر ببناء داره الآخرة، فلا تجد خيرا إلا كان من السباقين في فعله بُغية النجاة!

فلا عيش إلا عيش الآخرة!

ولا حياة إلا في رحابِ تلك الدار!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش