دروس من عيادة الحياة الطبية ثلاثة مواقف شهدتها عن عدالة السماء
تخيل مدينةً متقدمةً يحكمها ملكٌ عبقريّ، صمّم أنظمةً تراقب كل حركة وتنفّذ الأحكام فورًا. في تلك المدينة لا حاجة إلى قضاءٍ بشري بطيء؛ فالجزاء آتٍ في الحال، ومن سرق تُشلّ يداه، ومن اعتدى يذوق وبال فعله، ومن قتل يُقتل. هذا المشهد التصويري يقرب لنا فكرةً بسيطةً وواضحة: العدل لا ينتظر تأخيرًا ولا يختبئ وراء نفوذ أو مال.
سنن الله في الكون والإنسان
الله تعالى أحكم الحاكمين، خلق عباده وأحصاهم، ورزقهم وحفظهم، وهو مع كل إنسان أينما كان. جعل مع البشر ملائكةً كرامًا كاتبين، وسنّ قوانين تحكم المجتمعات وتردع الظلم. بعض هذه القوانين تُنفّذ عبر شرائع البشر، وبعضها يطبّقها الله بنفسه بآلياتٍ لا نراها، فتعود المكر إلى صاحبه، ويُفضَح الخائن، ويُجازى الظالم سواء أفلح في الدنيا أم لم يُفلح.
موقف أول عصابة السرقة
كانت عصابةٌ من خمسة أفراد تجمع الأموال من السرقة. أُلقي القبض عليهم وحُكم على أربعة بقطع اليد، بينما نجا الخامس بدفع مالٍ كثير. ظنّ الناجي أن ماله أنقذه من قضاء الأرض، ونسي أن هناك قضاءً آخر. بعد أشهر أصيب بمرضٍ عضالٍ في عظام أصابع يديه فشلّت حركتهما، فخسر ما هرب منه في الدنيا. هذه الواقعة تذكّر بأنّ المال لا يشتري النجاة من سنن الله.
موقف ثانٍ تهديد بالقتل
هدّد رجلٌ صديقه بالقتل ليزرع فيه الخوف. عاش المهدّد سنواتٍ في رعبٍ وخوفٍ مستمرّين. بعد زمنٍ تبدّلت الأحوال، ووجد المهدّد نفسه في مواجهةٍ مع رجلٍ شريرٍ هدّده بالقتل هو الآخر، فذاق من رعبٍ أكبر مما زرعه في غيره. هذه الحكاية تُظهر أنَّ التهديد والظلم يعودان إلى صاحبهما بطرقٍ قد لا يتوقعها.
موقف ثالث شاهدته بنفسي شابٌ قوي وسائق باص مسن
كنت مع ابن خالي وصديقٍ له في رحلةٍ إلى الحديدة. عند وداعنا حاول شابٌ قويّ أن يفرض على سائق الباص المسن أجرةً أقلّ بالقوة، أمسك عنق السائق وهزه بعنف حتى رضخ المسن. بعد عامٍ من تلك الحادثة رأيت ذلك الشاب وقد ضمر جسده وأصابه مرض السل الدرني ففقد قوته حتى مات بعد أشهر. هذه الحادثة كانت درسًا حيًا عن أنَّ القوة الظالمة قد تُقابَل بضعفٍ مفاجئٍ من عند الله.
تأملات وعبرة
القصص الثلاث ليست مجرد حكاياتٍ عابرة، بل إشاراتٌ إلى نظامٍ إلهيٍّ دقيقٍ لا يخطئ. من يفلت من عدالة الأرض قد لا يفلت من عدالة السماء، ومن يظن أن المال أو النفوذ يقيه فقد خاب. وفي المقابل، لا يعني هذا أنَّ العدل الإلهي يخلو من رحمة؛ فالله أرحم الراحمين، والباب مفتوحٌ دائمًا للتوبة والإنابة وطلب الصفح.
خاتمة
عدالة الله ليست تهديدًا باردًا، بل نظامٌ حكيمٌ يدير الكون. القوي اليوم قد يضعف غدًا، والظالم الذي يظن أن ماله أو نفوذه سيحميه سينكشف أمام قدرة الله. لا تغترّوا بقوتكم، ولا تأمنوا مكر الله، واطلبوا العفو ممن ظلمتم قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون. اسعَوا للصفح والعفو، فهما طريقان إلى رحمةٍ أوسع من كل جزاء.
التعليقات