كثيرا ما تعجبت من هذه الآية وأنا أتأمل معناها و أحاول استصاغة مفهومها مبنى ومعنى!

فكيف تُضخ الحياة في المجتمعات بقتل من قتل، وببتر اليد التي بترت أخرى، وفَقْء العين التي فقأت غيرها، وهكذا دواليك...؟!

لكني أدركت بعد مدة ليست بالقصيرة من الزمن، أن قِصَر فهم هاته الآية كان نتاج قِصَر العقل البشري عن إدراك حكمة القوانين و التشريعات الربانية الكاملة، والتي لا يشك في كمالها إلا ذو قلب تزحزح عن الحق وألف الباطل!

فالذي ينتقد ويناقش مصداقية القوانين والأحكام البشرية الوضعية الناقصة، فهذا لا يُشك في عقلانيته كون العقل البشري ناقص في حد ذاته قد يصيب ويخطئ، فإن أصاب حُمِد على ذلك، أما إن أخطأ انتُقِد وقُوِّم.

فالمجتمعات والحضارات الإسلامية على مرِّ التاريخ لم تقم لها قائمة ولم تسد زمانها إلا عند اعتنقت التشاريع الربانية بحذافيرها كما ينبغي، وما سقطت ذاك السقوط المدوي الذي مازال يعتبر به الناس ليومنا هذا إلا بعد أن تثاقلت ومالت لهواها بعيدا كل البعد عما شرعه لها ربها.

فالذي خلق البشر وأبدع في هندسة أبدانهم بنظمها العصبية والنفسية والبيولوجية...، هو أعلم بهم منهم بما يلائم تلك النظم في سيرورة حياتهم داخل المجتمعات، وهذا من البديهيات، فصانع الشيء من المنطقي أن يكون أعلم الناس به عن غيره، ولله المثل الأعلى.

فعندما نتحدث عن القصاص كحكم شرعي، فهو ما شُرع إلا ليزدجر الناس عن إزهاق أرواح بعضهم البعض بالباطل، واستباحة دمائهم بغير حق، فالذي قتل؛ يُقتل، والذي فقأ عين غيره؛ تُفقأ عينه، والذي كسر سن غيره؛ تُكسر سنه، وقس على ذلك...

هكذا تحيا المجتمعات ويتعلم الناس ماهية حرمة دماء بعضهم البعض، فكيف لمن يشهد إنزال حكم القصاص بمستحقه أن يفكر ولو لوهلة في إزهاق روح من الأرواح، بل سيدفعه ذلك لأن يضرب ألف حساب لكل خطوة يهم بها ولكل فعل هو مرتكبه، وهذا هو الأصل بالنسبة لكل امرئ مسلم جعل من هذه العقيدة مرجعا له في حياته يحكمها في كل صغيرة وكبيرة.

فما شُرع القصاص إلا لحقن الدماء وضمان سيرورة المجتمعات التي لا تحيا إلا بحياة أهلها!