معضلة تقليد المجتهد لدى الشيعة

التقليد في الفقه الشيعي يُقدَّم بوصفه حلًا جاهزًا لمشكلة “جهل غير المختص”: بما أنك لا تستطيع الاجتهاد، فعليك أن تتبع المجتهد “الأعلم”.

لكن هذا الحل، بدل أن يُغلق الإشكال، يعيد إنتاجه بشكل أعمق: لأنه يطلب منك أن تختار من سيتولى عنك التفكير، دون أن تمتلك أدوات حقيقية لاختيار صحيح من الأساس.

من يقرر من هو الأعلم؟

المدخل الرسمي واضح: تُسأل “أهل الخبرة” لتحديد الأعلم.

لكن هذا المدخل ينهار فورًا أمام أبسط حقيقة: أهل الخبرة يختلفون.

عندما يعطي خبير (أ) نتيجة، ويعطي خبير (ب) نتيجة معاكسة، لا توجد آلية داخل النظام نفسه لحسم الخلاف.

والنتيجة أن الشخص غير المختص يُدفع إلى مهمة مستحيلة: ترجيح خبراء لا يستطيع تقييمهم أصلًا.

بمعنى مباشر:

النظام يفترض أن المشكلة حُلّت عبر “الرجوع للخبراء”، لكنه لا يقدّم أي حل لمشكلة اختلاف الخبراء.

خدعة القياس على الطب

الاستدلال الشائع يقول: كما ترجع للطبيب، ترجع للمرجع.

لكن هذا القياس يبدو مقنعًا فقط على السطح.

في الطب:

النتائج قابلة للقياس

الخطأ يظهر بسرعة

التجربة تعيد تشكيل القرار

أما في التقليد:

النتائج ليست قابلة للاختبار

الخلافات تبقى دون حسم تجريبي

والمعيار النهائي يظل “خارجيًا بالكامل” عن قدرة المكلّف

وهنا يتحول مفهوم “الرجوع للخبير” من علاقة معرفية إلى علاقة تسليم شبه كامل لسلطة لا يمكن فحصها.

كيف يُصنع الاختيار فعليًا؟

عند النزول من النظرية إلى الواقع، يتضح أن اختيار المرجع نادرًا ما يكون نتيجة عملية عقلية صارمة، بل غالبًا يُصنع عبر:

الوراثة الدينية داخل العائلة

الانطباع الاجتماعي العام

الثقة غير المبنية على تحقق معرفي

أو الميل إلى من يوافق الخلفية الفكرية مسبقًا

وهذا يعني أن “اختيار الأعلم” في كثير من الحالات لا يحدث كاختيار معرفي، بل كامتداد للبيئة.

إشكالية السلطة المغلّفة بالمعرفة

المشكلة ليست في وجود خبرة، بل في تحويل هذه الخبرة إلى سلطة غير قابلة للمساءلة.

فعندما يصبح الفرد:

غير قادر على التحقق

غير قادر على المقارنة الفعلية

وغير قادر على مراجعة أصل الاستدلال

فإن ما يُطلب منه ليس “اتباع معرفة”، بل قبول منظومة مغلقة تُعرّف نفسها كمعرفة.

وهنا السؤال الحاد الذي لا يمكن تجنبه:

إذا كان العقل يُستخدم فقط ليختار من يُلغيه لاحقًا، فهل هذا استخدام للعقل أصلًا أم مجرد إجراء شكلي؟

تناقض البداية

أحد أكثر نقاط التوتر وضوحًا أن النظام يبدأ بمطلب عقلي: “ابحث، قارن، اختر الأعلم”

لكن في نفس الوقت: يُسلم بأن المكلّف لا يملك أدوات هذا البحث أصلًا.

أي أن النظام يكلّف الفرد بمهمة معرفية، ثم يبنيها على افتراض عجزه عن إنجازها.

وهذا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل تناقض في نقطة الانطلاق نفسها.

النتيجة الطبيعية لهذا البناء

أمام هذا النوع من البنية المعرفية، تظهر استجابات مختلفة، لكنها جميعًا تدور حول محاولة التعامل مع فجوة بين:

ما يُطلب من الفرد

وما يستطيع فعليًا التحقق منه

سواء عبر الالتزام الكامل، أو إعادة تأويل النصوص، أو إعادة بناء المرجعية من الأساس، فإن أصل الإشكال يبقى ثابتًا:

غياب معيار يمكن اختباره داخل النظام نفسه.

خلاصة

التقليد لا يبدو هنا كحل نهائي لمشكلة الجهل، بل كإعادة توزيع لها:

بدل أن يكون السؤال: “كيف أعرف؟”

يصبح السؤال: “من أختار لي كيف أعرف؟”

ومتى ما أصبحت الإجابة على السؤال الأول تعتمد بالكامل على السؤال الثاني، فإن النظام لا يكون قد حسم الإشكال… بل أعاد صياغته بشكل أكثر مركزية وأقل قابلية للمساءلة.