وهنٍ على وهنٍ" : قراءة تأملية بين القرآن الكريم والعلم الحديث
من كتاب «من صلصال كالفخار»
تأليف: صبرينة حمود
دار المثقف العربي – باتنة، الجزائر
الطبعة الأولى، 2025م
ISBN: 978-9969-08-000-0
قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
في هذا التعبير القرآني الموجز تتجلى معجزة اللغة والوصف العلمي في آنٍ واحد، إذ يصف الله تعالى الحمل بأنه “وهنٌ على وهن” أي ضعف متراكم ومتجدد، يتضاعف مع كل مرحلة من مراحل الحمل والولادة والرضاعة.
هذا الوصف البليغ، الذي يبدو في ظاهره تصويرًا شعوريًا لمعاناة الأم، أصبح اليوم يُقرأ على ضوء اكتشافات علم الأحياء الدقيقة بوصفه تعبيرًا علميًا دقيقًا عن التغيرات المناعية والهرمونية والجينية التي تصيب جسد الأم الحامل.
أولا: الدلالة اللغوية والتفسيرية
الوَهن في اللغة هو الضعف في القوى البدنية أو النفسية أو الإرادية، ويُقال: "وَهَنَ العظم" أي لان وضعف.
وفي التفاسير، يرى الطبري والقرطبي أن التعبير «وهنًا على وهن» يفيد التراكب والتضاعف في الضعف، إذ ينتقل الجسد الأنثوي من تعبٍ إلى تعب، ومن نقصٍ إلى نقص، حتى يبلغ الغاية في الإرهاق عند الولادة والرضاعة.
أما ابن كثير فقد فسرها بأنها إشارة إلى ضعف الأم منذ بدء الحمل حتى الفطام، ضعفًا يتراكم فوق ضعف.
وهنا تتجلى الدقة القرآنية في اختيار تركيب "على" بدل "بعد"، لأنها تفيد التراكم والتداخل الزمني والعضوي في آن واحد، لا التعاقب فقط.
ثانيا: الضعف المناعي والجيني – قراءة علمية في ضوء المايكروتشيميا
أثبتت الأبحاث الحديثة في مجال المايكروتشيميا (Microchimerism) أن الأم الحامل لا تحمل الجنين فحسب، بل تحتفظ بعد الولادة بخلايا جنينية حية تعبر المشيمة وتستقر في أنسجة مختلفة من جسدها، مثل الكبد، والدماغ، والغدة الدرقية، والرئتين، والدم.
هذه الخلايا تُعرف علميًا باسم الخلايا الجنينية المتبقية (Fetal Microchimeric Cells)، وقد تظل في جسم الأم لعقود طويلة بعد الولادة، مشكلةً نوعًا من "الذاكرة الجينية المشتركة" بين الأم وأطفالها.
وقد نشرت مجلات طبية متخصصة https://www.mdpi.com/1648-9... نتائج تؤكد أن هذه الخلايا قد تؤثر إيجابيًا أو سلبيًا على صحة الأم، تبعًا لاستجابة جهازها المناعي.
1. الجانب الإيجابي
في بعض الحالات، تسهم الخلايا الجنينية في إصلاح الأنسجة التالفة، كأنها خزانٌ احتياطي لخلايا جذعية قادرة على التجدد والإصلاح الخلوي، وهو ما يفسّر تحسن بعض حالات تلف الكبد أو الأنسجة العضلية بعد الحمل.
2. الجانب السلبي – وهنٌ على وهن
لكن الجانب الأكثر خطورة هو عندما يتعامل جهاز المناعة مع هذه الخلايا على أنها أجسام غريبة، فيبدأ بمهاجمتها.
وقد أثبتت أبحاث The Journal of Autoimmunity (2021) أن هذه الظاهرة ترتبط بعدة أمراض مناعية مزمنة، منها:
الذئبة الحمراء (Systemic Lupus Erythematosus)
الروماتويد المفصلي (Rheumatoid Arthritis)
أمراض الغدة الدرقية المناعية
بعض أنواع السرطان (مثل سرطان الثدي والغدة الدرقية)
ومع تعدد الولادات، تتزايد كمية هذه الخلايا الجنينية المتراكمة في جسم الأم، فيزداد العبء المناعي، ويصبح الجسد في حالة دفاعٍ دائم، وهو ما يفسّره القرآن بعمق حين وصف الحمل بأنه «وهنًا على وهن» أي ضعف فوق ضعف، لا في الجسد فقط، بل في المناعة والجينات والبنية الخلوية ذاتها.
ثالثا : الإعجاز في التعبير القرآني
إنّ التعبير القرآني لا يكتفي بالوصف الفيزيولوجي، بل يعبّر عن معادلة بيولوجية وإنسانية متكاملة:
كل ضعفٍ يعتري الأم يقابله قوةٌ تتكوّن في الجنين، وكل فقدٍ في طاقتها يقابله اكتسابٌ في طاقته.
وهذا التوازن المعجز هو ما يجعل من الحمل "رحلة فناء جزئي لتكوين حياة جديدة"، وهو ما يعجز اللسان البشري عن صياغته بتلك الدقة الموجزة التي جاءت في الآية الكريمة.
حين يصف القرآن الأم بأنها «حملته وهنًا على وهن»، فهو لا يرسم مشهدًا وجدانيًا فحسب، بل يقدّم وصفًا بيولوجيًا سابقًا لعصر علم المناعة والجينات.
فالضعف الأول هو وهنٌ جسديّ ظاهر، والضعف الثاني وهنٌ مناعيّ جينيّ خفي، يتراكم في خلايا الأم ودمها سنين طويلة بعد الولادة.
وما بين الوهَنين تتجلى معجزة الخلق والتضحية الأنثوية، حيث تتنازل الأم عن جزءٍ من جسدها وجيناتها لتمنح الحياة لغيرها.
هكذا يكشف العلم اليوم ما عبّر عنه القرآن منذ قرون ببلاغة لا نظير لها، ويثبت أن الوحي الإلهي كان ولا يزال أصدق وصفٍ للإنسان في ضعفه وعظمته معًا.
#من_صلصال_كالفخار
#صبرينة_حمود
التعليقات