في يومنا هذا ، أصبح الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أقوى أدوات التأثير على الوعي الجمعي والسلوك الاجتماعي. وما يثير القلق اليوم هو الطريقة التي يسهم بها البعض في خلق حالة من النزاع أو التنافس بين الذكر والأنثى، سواء في البرامج التلفزيونية أو الحملات الرقمية أو عبر المنشورات والصور المبالغ فيها على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصور النمطية أحيانًا تزرع شعورًا بالاختلاف والصراع، بينما الإسلام يضع أسسًا متينة للشراكة والتكامل بين الجنسين.
وبالنظر من منظور التفكير التلسكوبي، نبدأ بالنصوص الجزئية ثم نوسع العدسة لنرى الصورة الكلية التي رسمها الوحي لهذه العلاقة، مستكشفين الأبعاد المختلفة: الكرامة الإنسانية، الشراكة، الرحمة، وتكامل الأدوار.
وحدة الأصل والكرامة الإنسانية
أ. الوحدة في الخلق: القرآن الكريم يؤكد أن الأصل في الإنسان واحد، وأن الذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:1]،﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:20]، هذه الآيات تؤكد أن كل البشر، رجالاً ونساءً، ينحدرون من أصل واحد، مما يلغى أي فكرة عن تفوق بين الجنسين، ويؤكد كرامة كل فرد.
ب. المساواة في الجزاء والعمل الصالح :معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح،﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]، ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [آل عمران:195]، وهذا يعكس أن الجزاء عند الله مساوٍ للجميع، وأن العلاقة بين الذكر والأنثى هي تكاملية وليست صراعًا على الأفضلية.
2. السنة النبوية: شراكة ورحمة
النبي ﷺ أكد على أن المرأة شقيقة الرجل ومتكاملة معه: «إنما النساء شقائق الرجال» [رواه أبو داود والترمذي]،
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [رواه الترمذي]، «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرت، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا» [رواه البخاري ومسلم]، كما وردت أحاديث تؤكد الرحمة والعدل في المعاملة: «النساء مثل الحرير، اللين معهن قوة» [رواه البيهقي]، «ألا لا ضرر ولا ضرار» [رواه ابن ماجه]، هذه النصوص تدعم فكرة أن العلاقة بين الجنسين رحيمة، عادلة، وشراكة متكاملة.
3. توزيع الأدوار لا التمييز
أ. القوامة مسؤولية، لا سيادة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِن أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:34]، القوامة هنا مسؤولية وليست تفوقًا أو سيادة مطلقة، تكليف بالإنفاق والحماية والعدل، وليس استعلاءً.
ب. الأمومة، التربية، والمشاركة المجتمعية: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة:71]،﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19]، المرأة مسؤولة عن رعاية الأسرة والتربية، لكنها أيضًا شريك فاعل في المجتمع والعمل العام، ويجب أن يُحترم دورها.
4. من وراء خلق النزاع وتشويه الصورة
أ. الإعلام التجاري والتسليعي: يركز على الدراما والنزاعات الأسرية لزيادة نسب المشاهدة والربح من الإعلانات. يسهم في تضخيم الخلافات بين الجنسين بشكل مبالغ فيه.
ب. بعض القوى الاجتماعية والسياسية :تسعى إلى تضليل الرأي العام وإضعاف التماسك الأسري والمجتمعي. الهدف: تشتيت المجتمع وخلق أزمات غير حقيقية.
ج. المنصات الرقمية: تنتشر القصص الجزئية بسرعة، وغالبًا ما يتم تعميمها بشكل خاطئ. الخوارزميات تعطي أولوية للمحتوى المثير، ما يشوه صورة العلاقة بين الرجل والمرأة.
د. المكاسب: ربحية إعلامية وتجارية. تأثير اجتماعي وسياسي لإضعاف التضامن الاجتماعي. تشويه القيم الدينية والأخلاقية، وزرع شعور بالاختلاف المستمر بين الجنسين.
5. الرؤية التلسكوبية: من الأسرة إلى الأمة
أ. العدسة الضيقة: الأسرة: العلاقة داخل البيت تقوم على المودة والرحمة، ويكمل كل طرف الآخر في التربية والإنفاق والتوجيه الروحي.
ب. العدسة المتوسطة: المجتمع: التعاون بين الجنسين ضروري لتحقيق التنمية والنهضة، مع احترام الحقوق والواجبات.
ج. العدسة الواسعة: الأمة: الأمة تنهض وتستقر عندما يُفهم التكامل بين الذكر والأنثى بعيدا عن الأكاذيب الإعلامية والأجندات المضللة. العدالة والرحمة والمسؤولية المشتركة أساس بناء مجتمع متوازن.
6. الربط بالنصوص القرآنية والسنة
﴿وَلَا تَقْفُوا مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36]،﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [النساء:119]،الحديث: «الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة…» [رواه البخاري ومسلم]، هذه النصوص تحث على الوعي والتمييز بين الحقيقة والزيف، وفهم العلاقات الإنسانية كما أرادها الإسلام.
7. الخلاصة التلسكوبية
خلق النزاع بين الذكر والأنثى اليوم غالبًا له مصالح إعلامية وتجارية وسياسية. الإسلام يقدم رؤية متكاملة تقوم على المساواة، التكامل، الرحمة، والمسؤولية المشتركة. تطبيق الرؤية التلسكوبية يساعد على تمييز الحقيقة من الصورة المزيفة، وإعادة فهم العلاقة بين الجنسين كما رسمها الوحي، لتصبح شراكة حقيقية تبني المجتمع والأمة.
معادلة العلاقة التلسكوبية الإسلامية: العدل + الرحمة + المسؤولية المشتركة = شراكة راقية تنهض بالمجتمع والأمة.
إن العلاقة بين الذكر والأنثى في الإسلام ليست مجالًا للصراع أو التنافس على التفوق، بل هي رحلة تكاملية قائمة على الكرامة الإنسانية والمسؤولية المشتركة والشراكة في بناء المجتمع والأمة. ومن خلال العدسة التلسكوبية، نرى أن كل تفصيل صغير داخل الأسرة يتصل بصورة أوسع في المجتمع، ليبلغ أثره الأكبر على الأمة بأكملها، حيث تتحقق التنمية والنهضة عندما يتعاون الرجال والنساء بروح من العدالة والرحمة والمودة.
أما ما نراه اليوم من تضخيم للخلافات عبر الإعلام والمنصات الرقمية أو بعض القوى التي تسعى لتشويه الصورة، فهو تعبير عن مصالح مادية وسياسية وأجندات بعيدة عن القيم الإسلامية، هدفها زرع الانقسام والاختلاف، واستغلال الخلاف لتحقيق الربح أو التأثير الاجتماعي والسياسي.
لذلك، فإن الفهم الصحيح للعلاقة بين الجنسين وفق القرآن الكريم والسنة النبوية، والتمسك بمبادئ العدل + الرحمة + المسؤولية المشتركة، هو السلاح الحقيقي لمواجهة التشويه الإعلامي والتلاعب الاجتماعي، واستعادة الصورة الصحيحة لشراكة حقيقية، تبني مجتمعًا متوازنًا وأمة قوية، تحترم الإنسان في ذكوره وإناثه، وتحقق النهوض الشامل الذي دعا إليه الإسلام.
إذا خلق الله الرجال والنساء من نفس واحدة، وأراد لهما شراكة متكاملة قائمة على الرحمة والعدل، فكيف نسمح لنزاع مفتعل أن يفرق بينهما ويشوّه صورتهما في أعيننا؟"
التعليقات