نظرية تاريخية النص القرآني: قراءة في السياق والمعنى
مقدمة
من أبرز الأخطاء التي وقع فيها المسلمون والعرب، والتي
ساهمت في تعثّرهم عن مواكبة التحولات الحضارية الغربية
اجتماعيًا واقتصاديًا، هي قراءتهم للقرآن الكريم بوصفه نصًا
أبديًا مطلقًا، صالحًا لكل زمان ومكان على نحو حرفيّ، دون
مراعاة للسياقات التاريخية والاجتماعية التي نزل فيها.
لقد تعامل كثير من المسلمين مع النص القرآني باعتباره
خارجًا عن التاريخ، متجاهلين أن عددًا كبيرًا من أحكامه كان
مرتبطًا بسياقات مخصوصة، وظروف مجتمعية معينة عاشها
العرب في صدر الإسلام. ومن هنا جاءت نظرية تاريخية
النص القرآني، وهي مقاربة علمية وفكرية معاصرة تدعو إلى
إعادة قراءة النص القرآني في ضوء سياقه التاريخي
والاجتماعي والسياسي، لفهم أعمق لمقاصده الحقيقية، بعيدًا
عن الجمود الحرفي والانغلاق الفقهي.
---
ما المقصود بتاريخية النص القرآني؟
"تاريخية النص القرآني" تعني أن كثيرًا من الآيات القرآنية
وأحكامها نزلت استجابةً لوقائع ومشكلات خاصة كانت
سائدة في المجتمع العربي في القرن السابع الميلادي، وأن
هذه الأحكام ليست بالضرورة ملزمة في كل زمان ومكان إذا
تغيّرت تلك الظروف أو زالت عللها.
ولا تعني هذه المقاربة نزع القداسة عن القرآن، بل تمييز ما
هو أبدي مقصدي من جهة، وما هو ظرفيّ تاريخي من جهة
أخرى.
---
أدلة تدعم تاريخية النص القرآني
1. نزول القرآن مفرّقًا على مدار ثلاثة وعشرين عامًا:
لو كان النص القرآني أزليًّا مطلقًا منفصلًا عن الواقع، لكان
الأولى أن يُنزَّل جملة واحدة. لكن التدرّج في النزول يشير
إلى أنه كان يتفاعل مع الواقع ويتغير تبعًا للأحداث، ويعالج
المشكلات بحسب تطوّر المجتمع.
2. وجود أسباب نزول خاصة:
كثير من الآيات القرآنية نزلت ردًا على أسئلة أو وقائع معينة،
ما يدل على أن الحكم مرتبط بواقعة معينة.
---
أمثلة على ارتباط النص القرآني بسياق النزول والمجتمع العربي
لفهم "تاريخية النص القرآني" بصورة عملية، من المهم تأمل كيف نزلت بعض الأحكام استجابة لحوادث بعينها أو لتصحيح أوضاع اجتماعية سائدة في الجزيرة العربية. ومن ذلك:
1. التمييز بين الحرة والأمة (آية الجلابيب)
الآية:
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]
سبب النزول:
قال الحسن البصري: "كانت المملوكة تمر فيتعرض لها السفهاء، وتخرج الحرة فتُحسب أمة، فيتعرض لها، فأمر الله الحرائر بإدناء الجلابيب".
التحليل:
الحكم نزل لمعالجة مشكلة اجتماعية مؤقتة: التعرّض للنساء في مجتمع فيه عبيد وإماء. بزوال هذه الظاهرة (الرق)، زالت علّة الحكم، مما يؤكد ظرفيته.
---
2. تقسيم الميراث (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)
الآية:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
الوضع الجاهلي:
المرأة كانت محرومة كليًا من الميراث، وكانت التركة تُقسم بين الذكور فقط لأنهم كانوا هم من يتحمل النفقة والحرب والحماية.
التحليل:
القرآن قدّم نقلة إصلاحية تدريجية، ومنح المرأة حقًا لم تكن تملكه، لكنه لم يصل للمساواة الكاملة. مع تغير أدوار المرأة الاقتصاديّة، أصبح من المشروع مراجعة هذه النسبة وفقًا للمقاصد الأصلية وهي: العدل والإنصاف.
---
3. قصر عدد الزوجات إلى أربع
الآية:
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ...﴾ [النساء: 3]
السياق:
في الجاهلية، كان بعض الرجال يتزوجون بلا حدّ أو قيد.
التحليل:
الآية جاءت لتقنين وضع اجتماعي فوضوي قائم، لا لتأسيس قاعدة أبدية، بل لتقليص عدد الزوجات وتقييده بالعدل. فإذا اختفى السياق وظهرت مضار اجتماعية، يصبح من المشروع إعادة النظر في تطبيقه.
---
4. نظام الرق وملك اليمين
الآية:
﴿...وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5–6]
السياق:
الرق كان نظامًا عالميًا، راسخًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
التحليل:
القرآن لم يشرّع الرق، بل تعامل معه كأمر واقع، وسعى إلى تحرير العبيد تدريجيًا. بزوال الرق من العالم، لم تعد هذه الأحكام قابلة للتطبيق.
---
5. أحكام الإيلاء والطلاق
الآية:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]
السياق:
الرجال في الجاهلية كانوا يحلفون بهجر زوجاتهم دون طلاق، مما يتركهن معلقات.
التحليل:
نزل الحكم لإجبار الرجل على الرجوع أو الطلاق بعد 4 أشهر. وهو علاج اجتماعي مرحلي، لظاهرة لم تعد موجودة في صيغتها الأصلية.
---
تقسيم الأحكام وفق تاريخيتها
انطلاقًا من هذه الأمثلة، يُقسّم المفكرون المعاصرون الأحكام القرآنية إلى:
أحكام أبدية (مقاصدية): تتعلق بالتوحيد، والعدل، والكرامة الإنسانية، وهي صالحة لكل زمان.
أحكام ظرفية (مرتبطة بسياق): نزلت لمعالجة وقائع اجتماعية أو سياسية مؤقتة، وقد زال موجبها.
---
أبرز الداعين إلى نظرية تاريخية النص
1. نصر حامد أبو زيد (مصر)
فرّق بين الوحي والنص التاريخي المتفاعل مع المجتمع، مؤكدًا أن فهم القرآن يحتاج إلى قراءة لغوية وسياقية شاملة.
2. محمد عابد الجابري (المغرب)
رأى أن كثيرًا من الأحكام تمثل حلولًا مرحلية إصلاحية، ولا يصح التعامل معها كأوامر نهائية جامدة.
3. محمد أركون (الجزائر)
ميّز بين القرآن المقدّس والنص الذي دُوِّن تاريخيًا، ودعا إلى استخدام المناهج الحديثة في التحليل والقراءة.
4. ماجد الشرقاوي (معاصر)
أكّد أن الجمود الفقهي حوّل النصوص الظرفية إلى تشريعات أبدية، ودعا لإعادة تفعيل مقاصد القرآن في ضوء الواقع.
---
خاتمة
إن نظرية تاريخية النص القرآني لا تهدف إلى إسقاط قدسيته، بل إلى إعادة توصيله بالحياة، وفهمه وفق روح العصر ومقاصده العليا.إنها دعوة لإعمال العقل، وإعادة تفعيل النص عبر قراءة واعية، تُفرّق بين الأبدي والمرحلي، وتُعلي من شأن القيم القرآنية الكبرى التي لا يحدها الزمان ولا المكان
التعليقات