إن هدف هذه المقالة وضع النقاط على الحروف، وليس الهدف الانتقاص من أحد أو الإعلاء لأي مكون سوري على آخر.

خرجت علينا وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا هند قبوات بمنشور على الفيسبوك لتقول إن "المسيحيين في سوريا هم سكانها الأصليون". لم تحدد الوزيرة ماذا تقصد بـالسكان الأصليين ومن هم غير ذلك، لذا سنستعرض احتمالات المعنى المقصود.

· المعنى الأول: من الممكن أنها قصدت أن المسيحيين هم أول من استوطن أرض الشام، وبذلك اكتسبوا هذه الأصالة. لكن من يجهل التاريخ يعرف أن عمر المدن السورية المأهولة أقدم من المسيحية بكثير. وقد رد الكثيرون بأن المسيحية دين وليست أصلًا بشريًا.

· المعنى الثاني: من الممكن أنها قصدت أن المسيحيين هم أكثر أصالة ممن جاء قبلهم أو بعدهم. فهذا كلام شعبوي تعميمي يحتاج إلى تحديد معايير الأصالة ومقارنة السكان بعضهم ببعض وفقًا لهذه المعايير. في هذه الحالة الكلام أقرب إلى رد فعل انفعالي منه إلى تأكيد حقيقة. وهذا يفرّق السوريين ولا يجمعهم، ولا يصح أن يصدر عن شخص عادي فضلًا عن وزير.

· المعنى الثالث: يُستعمل مصطلح السكان الأصليين عادة في سياق أصحاب الأرض في مقابل المحتل. فالهنود الحمر سكان أصليون في الأمريكيتين تعرضوا للإبادة. والفلسطينيون يتعرضون لحرب إبادة واستبدال من المحتل. فهل المقصود أن المسيحيين تعرضوا لإبادة من قبل المسلمين؟

· المعنى الرابع: من الممكن أنها قد خانها التعبير وأرادت أن تقول إن المسيحيين في سوريا هم سكان أصيلون لا يمكن اختزالهم بكذا وكذا، بدل السكان الأصليون. وبذلك يتغير المعنى وتنحل المشكلة.

لا أظن أن المقصود هو المعنى الأول ولا الثاني لأنهما ينمان عن جهل مطبق، ومعروفٌ عن الوزيرة سعة اطلاعها. أما المعنى الثالث فهو محاولة لتزوير غير مباشر للتاريخ لترسيخ مصطلح لينبني عليه مقتضاه. يعني القبول بجملة السكان الأصليين في البداية ثم تكون النتيجة أن هؤلاء السكان الأصليون تعرضوا للاحتلال وللإبادة من قبل من جاء بعدهم ليصيروا أكثرية على حسابهم ليصبحوا أقلية. ولا أدل على خطأ هذا الطرح من الوجود المسيحي بين ظهراني المسلمين لأربعة عشر قرنًا. ومع ذلك، إذا كان هذا هو المقصود فينبغي عدم الاختباء وراء التعريض والتصريح به والقبول بمناظرة مع أهل الاختصاص لدحضه. أما المعنى الرابع فقد يكون مخرجًا سلسًا للاعتذار والتذرع بالركاكة اللغوية.

إن صيغة المنشور انفعالي كما ذكرنا. ومما يدل على ذلك الغمز غير المباشر بأن الثوار استعملوا الأسماء المستعارة مع العلم أن من هؤلاء قد أصبح رئيسا للجمهورية و آخر أصبح وزيرا للخارجية تجتمع الوزيرة معهم بشكل دوري دون غضاضة.

الخلاصة:  إن الوضع السوري هش بعد سنين الحرب على الشعب من قبل نظام الأسد البائد الذي استغل التنوع السوري ليضرب فئات المجتمع بعضهم ببعض. فالبلد في طور تشكيل عقد اجتماعي بين أطيافه، وفي مرحلة إعادة تعريف الهوية السورية الجامعة، وفيه محاولات جادة لرص الصفوف.  على أقل تقدير، وبكل احترام، كلام الوزيرة غير موفق وانفعالي بشكل كبير ولا يخدم المصلحة الوطنية للسوريين.

بقلم: سبيل الساعي